الرئيسية / تقارير وتحقيقات / عن قدّيسة الثقافة الراحلة “إحسان الملائكة” .. واستذكار من دار ضفاف
kh ehsan 6

عن قدّيسة الثقافة الراحلة “إحسان الملائكة” .. واستذكار من دار ضفاف

منبر العراق الحر :الدكتور–حسين سرمك حسن

9/10/2017
الإبن يستذكر الأمّ بمقالة تُقطّع القلب
تقطرُ أَلَماً وحُزناً المقالة التي كتبها الأستاذ “مُلهم الملائكة” النجل الأكبر للأديبة العراقية الراحلة “إحسان الملائكة” (مواليد 1925) التي غادرت عالمنا بصمت يوم الجمعة 13/نيسان/2010 ؛ تلك المقالة “وداع من كاتبة كانت أمّي” التي كتبها عقب رحيل والدته الأديبة المعتزلة والذي كشف فيها عن معاناة الأديب العراقي من المجتمع والدولة والحياة حتى وهو في عزلته وتبتله في محراب إبداعه حيث يقول :
(ألّفت [= إحسان الملائكة] كتاباً عن الفيلسوف المتصوّف التركي الإيراني “جلال الدين الرومي”، قدّمته إلى دائرة الشؤون الثقافية في بغداد عام 1985 واعتذرت الدار عن نشره لكون العراق آنذاك في حرب مع إيران وابن الرومي إيراني الأصل!! وفي العام ذاته قدّمت إلى نفس الدار ترجمة لرواية روسية تتناول حقبة الستينات في إحدى ضواحي موسكو، إلا أن الدار اعتذرت عن نشره (لعدم تماشيه مع مستوى العلاقات السوفيتية العراقية آنذاك!) (1).
هكذا تتلاعب بإرادة المُبدع الصادقة رياح السياسة الحقيرة اللعوب.
مثقفة حالمة ترفّعت على الدُهُم
وحين نقول إنّ إحسان الملائكة كانت تعيش عزلتها فليس معنى ذلك إنّها كانت نرجسية متعالية منقطعة عن الحياة بل كانت كما يصفها مُلهم بدقّة وشفافية مؤثّرة :
(حالمة كبرى لم تبتعد قط عن جزئيات واقع الحياة اليومية لكنها لم تتقن قط فن مقاربة الناس ومخاطبة أصحاب القرار) (2) . وهذا الأمر (الحُلم والترفّع على الدُهُم مختصي الصغائر ومنهم من هو مِن أصحاب القرار) كارثة في مجتمع يتدهور حثيثاً نحو الحيوانية والقطيعية بدءا من أعلى مستوياته.
كتبت مُقدّمتي أوّل ديوان لنازك وأوّل ديوان لسليمان العيسى
لقد انحدرت إحسان من عائلة كان بيتها يُلقّب بأنه “بيت الأمّة العربية” ومن أب شاعر وطني قومي غيور هو صادق جعفر جواد الملائكة ومن أمّ شاعرة وضعت قضية فلسطين السليبة في مركز إبداعها ويشهد بذلك ديوانها: “أنشودة المجد” وهي سلمى عبد الرزاق “أم نزار الملائكة”، كما أنّها شقيقة الشاعرة الرائدة المُجدّدة الخالدة “نازك الملائكة” التي عُرفت أيضاً بكونها حالمة عظيمة مُترفّعة على دُهُم المجتمع والصغائر. كانت إحسان هي الوسيلة التي ساعدت الراحلة “حياة شرارة” في التقرّب من نازك وتأليف كتابها المهم عنها: “صفحات في حياة نازك الملائكة”. وقلّة قليلة تعرف إنّ إحسان الملائكة هي التي تولّت كتابة مقدّمة أوّل ديوان لشقيقتها نازك الملائكة وهو “عاشقة الليل” (1947)، كما أنها هي التي كتبت مقدّمة أوّل ديوان للشاعر السوري المعروف “سليمان العيسى” وهو “مع الفجر” (1951) (3).
رحلت ولم يُقم أحد مراسم الفاتحة على روحها
يصف مُلهم النهاية الأليمة لوالدته بالقول :
(ظلت تكتب في صحيفة “المدى” حتى منتصف عام 2009، وبعد أن انطفأ بصرها لم تعد تستطيع الإبداع، فانقطعت عن “المدى” وانقطعت “المدى” عنها. وتوالت النكبات والآلام على إحسان، فقد أصيبت في كانون الأول / ديسمبر عام 2009 بجلطة دماغية أقعدتها عن الحركة وعطلت حواسها، لتعيش بروحها الطرية المرهفة مثل ملاك. وفي مساء يوم الجمعة (23 نيسان/ أبريل 2010) فارقت أمي الحياة، تاركة خلفها تاريخ طويل من الإبداع والألم و15 مؤلفاً غير منشور، ومذكرات مفصلة في 20 كراساً، تعد أرشيفاً أدبياً سياسياً اجتماعياً لستين عاماً صعبة من تاريخ العراق الحديث) (4).
ثم تأتي طعنة الختام الشعرية في القلب حين يحضر “المُثكل” حسب وصف جدّنا جلجامش الموفق للموت فيقول مُلهم :
(رحلت إحسان الملائكة ولم تقم على روحها مراسم الفاتحة، واكتفى اقرباؤها بمراسم عزاء صغير للسيّدات انتهى في السادس والعشرين من نيسان/ابريل 2010 ليخيّم صمت مطبق على الدار التي عاشت فيها أعوامها العشرين الأخيرة وتبقى النخلتان الهرمتان أمام نافذة مكتبها تذكران تأملاتها وآمالها وهي تقاوم تكلس وحدتها وعزلتها المُرّة) (5).
كتبوا عنها 3 مقالات فقط!!
وقبل أيام، بدأنا في موقع “الناقد العراقي” الذي أشرف عليه استذكار الراحلة وإعداد ملف عنها فلم نجد سوى مقالة مُلهم الأصيلة عنها ومقالتين أخريين واحدة لتلميذتها وصديقتها الكاتبة “وقار هاشم” والأخرى حوار معها لعبد الجبار العتابي. أمّا المقالات الأخرى فهي تجتر المعلومات من مقالة مُلهم وتعتاش عليها. وفي هذا ما يكفي للتدليل على أيّ مدى وصل فيه احتقار الثقافة ورموزها الاصيلة في هذه البلاد التي هي القطّة التي تأكل أبناءها بفضل طايحين الحظّ من ساستها الحقراء والأراذل المعنيين بتمثيل مثقفيها والسهر على شؤونهم.
30 طبعة مُقرصنة لكتابها عن الرومي
رحلت إحسان الملائكة وسوف يُسدل – بل أُسدل – على حياتها وعطائها الستار. لقد صدر لها في حياتها : كتاب “أعلام الكتاب الإغريق والرومان.” عن دار الشؤون الثقافية العراقية (2001)، وكتاب عن جلال الدين الرومي تقول عنه وبأسف إنّه :
(سِيرة موسّعة عن مؤلف ومبدع الثنوي جلال الدين الرومي (نُشر في بيروت والقاهرة وبغداد واعيد طبعه أكثر من 30 طبعة مُقرصنة، كما انتشرت نسخ الكترونية منه بشكل واسع على النت باسمين مختلفين (جلال الدين الرومي صائغ النفوس، وجلال الدين الرومي عاشق حتى النهاية) (ص 7 من كتابها ملامح من الأدب السويدي) (6).
كتابها عن بيكاسو في دار الشؤون منذ عام 2002!
(قدمت الى دائرة الشؤون الثقافية ببغداد مخطوطة كتاب عن الفنان الاسباني بابلو بيكاسو عام 2002، بقيت المخطوطة لدى دار الشؤون الثقافية حتى اليوم ونحن في عام 2010 ولم تطبع في كتاب حسب قول مُلهم!). (7) وستضيع مخطوطاتها ومذكراتها وتُهدر مكتبتها ووثائقها مثلما ضاعت مخطوطات ووثائق ومذكرات ومكتبات العشرات من مفكري ومبدعي العراق الراحلين.
بصيص أمل من دار ضفاف: كتابها عن الأدب السويدي المُعطّل منذ التسعينات
لكن يبقى ثمة بصيص من الضوء دائماً يأتي من المخلصين الشرفاء من المثقفين . فحسناً فعلت دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر حين تولّت مؤخراً طباعة ونشر كتاب أنجزته الراحلة إحسان الملائكة في التسعينات ولم ير النور إلّأ الآن من خلال هذه الدار مشكورة، وهو “لمحات من الأدب السويدي” (170 صفحة من القطع المتوسط) والذي تصف المؤلّفة أهميته بالقول في مقدّمة الكتاب :
(دفعني للتأليف في موضوع الأدب السويدي، خلوّ المكتبة العربية، بحسب علمي من أية مؤلفات حسنة فيه. كان ذلك هو أيضا الدافع الذي حفزني في الماضي لتأليف ثلاث موضوعات مختصرات إحداها في أعلام الكتّاب الإغريق والرومان (نُشر في بغداد عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية)، والثانية في سير الكتّاب الإنجليز، والثالث في مشاهير الكتاب الأتراك المحدثين) (ص 7). (8).
وبتواضع وأخلاق علمية عالية تستدرك الكاتبة لتقول إنّها تعترف بأنّ مادة هذا الكتاب لا يمكن عدّها تأليفاً بقدر ما هو إعداد واختيار وتنظيم وترجمة. ومِنْ ثمّ فالآراء المبثوثة بين صفحات الكتاب ليست بالضرورة آرائي الشخصية ولا أنا مسؤولة عما قد يُلحظ فيها احياناً من شطط أو تطرف ربما لا يستسيغهما القارئ العربي) (ص 7و8). (9)
تستهل الكاتبة متن كتابها بنبذة تاريخية موجزة عن تشكّل السويد دولة مستقلة منذ القرن السادس عشر وتغيراتها الدينية الحاسمة ثم الجهود المبذولة في مجال الثقافة السويدية (الكلاسيكية منها والمسرح بشكل خاص) في عصر النهضة وخصوصاً في عهد الملكة كرستينا التي كانت متهتكة ثم تحوّلت إلى الزهد وانزوت في الفاتيكان.
سِيَر 21 أديباً سويدياً
بعدها تبدأ الكاتبة بتقديم سِير 21 كاتبا وكاتبة ممن تركوا بصمات مهمّة ليس على خارطة الثقافة السويدية فحسب بل الثقافة العالمية أيضاً ومنهم : الأديب العالم كارل فون لينيه، شاعر المجون بيلمان، الشاعرة الديمقراطية أنا ماريا لينغرين، رائدة الرواية الاجتماعية فردريكا بريمر، الكاتب الأسطورة أوفست سترند بيرغ، الروائية العالمية سيلما لاغيرلوف، يلمار بيريمان، المخرج الشهير إنغمار بيريمان، هاري مارتنسون، كيرستين ايكمان، زارا ليدمان.. وغيرهم.
وقد وجدتُ في موسوعة الويكيبيديا أنّ ثمانية من أدباء وأديبات السويد قد مُنحوا جائزة نوبل (التي تضاءلت كرامتها بمرور الزمن بألعاب وسفالات السياسة الغربية والأمريكية) بين عامي 1909 (سلمى لاغرلوف) و2011 (توماس ترانسترومر) وهم : سلمى لاغرلوف، فرنر فون هايدنستام، إريك أكسل كارلفلت (حصل عليها بعد وفاته)، بار لاغركفيست، نيلي زاكس، إيفند يونسون وهاري مارتنسون (مناصفة)، توماس ترانسترومر (10). وقد ذكرت الملائكة سِيَر أربعة منهم في كتابها.
مبتكرة شخصية “نيلز” الكرتونية حائزة على جائزة نوبل
ومن المعلومات الطريفة والمهمة هو ما ذكرته الملائكة عن قصة الشخصية الكرتونية “نيلز” التي سحرت أطفالنا (وسحرتنا):
(من الغريب أن تنال رواية سيلما لاغيرلوف [أوّل أديبة سويدية تنال جائزة نوبل] “مغامرات نيلز” شهرة طبقت أرجاء العالم، ونالت مكانة خاصة في نفوس جيل المشاهدين العرب الذي شاهدها كمسلسل على الشاشة الفضيىة في سبعينيات القرن العشرين، مع أنها كُتبت أصلاً لتحقيق هدف تربوي لتلاميذ المدارس السويدية الصغار، وهو تقديم المعلومات الجغرافية والتاريخية بصورة تُرضي أو تشبع خيالهم. تتلخص القصة في أنّ الولد “نيلز”، يعاقب على كسله، وعلى رفضه زيارة الكنيسة في الأوقات المحددة، يُعاقب بأن يُمسخ ويُحوّل إلى جِنّية عابثة، ويُكتب عليه، أن يَمتطي ظهر أوزة برية أنثى تطير به، وبصحبتها رفيقها الذكر، عبر بلدان العالم في رحلة طويلة، عقاباً للجنيّة “” على أنّ رحلة نيلز الفضائية لا تبدو في عيون الصغار غير نزهة تحريرية رائعة، ومن الواضح أن ذلك كان أيضاً قصد المؤلفة، فالصبي نيلز إنّما تمرد، في الواقع على عقلانية عالم الكبار، حيث يجبر الأطفال على التقولب – في صورة محددة، لا يستطيعون تحملها أو هضمها. من هذا فالرواية تحتمل تأويلات متباينة بحسب وجهات نظر قرائها. ولا ريب أنّ موافقة ذكر الأوز الأليف لأنثاه في رحلتها الطويلة هو جزء من ذكريات سيلما لاغيرلوف نفسها. ورحلة الخلاص التي يقوم بها الصغير نيلز، لابد أن تكون رمزاً لحنين الكاتبة للتحرر من عزلتها الأليمة المفروضة عليها كأنثى، في المجتمع البشري الظالم ذي المقاييس المزدوجة التي تقيم هوة لا قرار لها بين الجنسين. لقد شاءت سيلما لاغيرلوف أن تحقق حريتها وخلاصها عن طريق خفقات أجنحة الفن”. (ص 81 و82). (11).
تصوّر أديبة كبيرة حائزة على جائزة نوبل تكتب رواية للأطفال في حين “يترفّع” الكثير من كتّابنا عن الكتابة للأطفال برغم خطورة هذا الحقل الأدبي المهم وترى أدب الأطفال يتحوّل إلى عملية شكلية ولا تخصّصية ويتقلّص يوماً بعد آخر.
مبدعان كبييران تعرّفنا عليهما مبكراً
وقد توقّفت طويلا عند سيرتي مبدعين كبيرين عرفناهما منذ وقت مبكّر: الأوّل هو “أوفست سترند بيرغ” الأسطورة الذي قرأنا الكثير من مسرحياته المترجمة مثل المس جولي، الأب، رقصة الموت، موسيقى الشبح، الطريق إلى دمشق، والغرماء .. وغيرها . كما عرفناه من خلال التحليل المهم الذي قدّمه لشخصيته ومنجزه كولن ولسن في كتابه الفريد “المعقول واللامعقول في الأدب الحديث”. كما شاهدنا “الآنسة جولي” وقد حوّلتها الممثلة السويدية “ليف أولمان” (شريكة المخرج العظيم انغمار بيرغمان) إلى فيلم سينمائي رائع قامت بإخراجه. والثاني هو المخرج إنغمار بيرغمان (الذي توفي في تموز من هذا العام) والذي ترك بصمته في السينما العالمية من خلال أفلامه الشهيرة مثل “التوت البري” و “فاني وإالكسندر” و”الصمت”. والإثنان (سترند برغ وبيرغمان) قدّمتهما إحسان الملائكة بصورة وافية وممتعة.
مكافأة القداسة في الثقافة .. وضريبتها
وتتساءل أخيراً : ما الذي جنته هذه الإنسانة (إحسان الملائكة) من الكتابة والثقافة والإبداع ؟
وما هي المكافأة التي كانت تتوقّعها عن جهدها المُضني الذي أودى ببصرها، ومن المؤكّد أنّه – بالإضافة إلى قلقها وتوترها وإحباطاتها – كان سبباً مهماً في إصابتها بالجلطة الدماغية القاتلة ؟
ما الذي جنته ولم تكن تستطيع طبع كتبها على نفقتها الخاصة في بلاد صار من خرجوا علينا من بالوعات الحياة يتقلّبون على المليارات من الدولارات ؟
تجيب المبدعة إحسان الملائكة على هذا التساؤل بنفسها في مقدمة كتابها هذا فتقول :
(إنّ المكافأة الفريدة التي يمكن أن أجنيها من بذل هذه المجهودات المُضنية هي إطلاع القارئ العربي على مادة أدبية تاريخية ثقافية تجمع بين الفائدة والمتعة وتغنيه عن طول البحث وزيادة التعب) (ص 7). (12)
وهنا يتأكّد من جديد ما قلناه مراراً عن الطبيعة الملائكية السماوية للمبدع التي تتناقض مع الطبيعة الأرضية الحيوانية للسياسي. وعليه ، فقد كان الطريق الذي اتبعته إحسان الملائكة في حياتها في الترفّع والعيش كما قال نجلها مُلهم: (حالمة كبرى لم تتقن قط فن مقاربة الناس ومخاطبة أصحاب القرار) هو الطريق الإيماني الذي يحفظ كرامة المثقف وعزّة الثقافة برغم ضريبته الباهضة.
تحيّة للمثقفة القدّيسة “إحسان الملائكة”.
هوامش:
(1)و(2)و(4)و(5)و(7) في رثاء الكاتبة العراقية إحسان الملائكة؛ وداع من كاتبة كانت أمي- مُلهم الملائكة- دويتشه فيله- 2010.
(3). حوارٌ أخير مع الراحلة إحسان الملائكة- عبد الجبار العتابي- موقع إيلاف- 25/نيسان/2010.
(6)و(8)و(9)و(11)و(12)ملامح في الأدب السويدي- إحسان الملائكة- دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر- 2017.
(10)موسوعة ويكيبيديا

شاهد أيضاً

5a1bf16ed43750f6438b4569

“أزمة الحريري” بين تيلرسون وكوشنير

منبرالعراق الحر : كشف تقرير إخباري أمريكي أن الأحداث المحيطة باستقالة رئيس الوزراء اللبناني، صبت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *