الرئيسية / ثقافة وادب / قيود و سلاسل …ابتهال الخياط
ابتهال

قيود و سلاسل …ابتهال الخياط

منبر العراق الحر :

بلمح البصر تم نصب المسرح وأقيم ديكور المشهد . كان المخرج يتحرك بسرعة ، خرج إلى الشارع يتلفت ناظرا في وجوه المارة ومتفحصا بدقة هيئتهم ، وقع اختياره عليّ ..فقال :
مارأيك بتمثيل مشهد تكونين البطلة فيه ؟
اندهشت من طلبه .. فقلت :
أنا ؟ وما السِّر لتجعلني البطلة؟
ضحك قائلا : وماهي صفات البطلة عندكِ ؟
قلت : أشياء كثيرة يُحركها الجمال والشباب والقدرة .
قهقه قائلا : ليس دائما يا عزيزتي .. ستكونين بطلة من نوع جديد .. شيء يَعبر سريعا ، يُبهر الناس فيرفعون رؤوسهم لينظروا إليه .. فقد هجروا الشمس كما كرهوا ضوء القمر.
قلت: وهل يشاطرني الدور بطل ما ؟
قهقه أكثر وقال :
نعم .. رجل يأخذ قيلولةً من الحظِ العاثر.
قلت : رغم أنَّ كل ما قلته لم أفهمه لكنك أغريتني بالغموض . موافقة فكم الأجر ؟
قال: متوقف عند النهاية .
أجبته بالموافقة.
لم أفهم شيئا غير أنني البطلة.
….
*المشهد.
…..
انفتح ستار المسرح والجمهور مكتظ جلوسًا على الأرض حيث لا مقاعد.. و لا سقف يغطي المكان .
ليل بلا قمر والظلمة حالكة فلا أنوار ،
جمهور مرعب بسكونه.
إضاءة قليلة تبحث عن شيء ما يتحرك على المسرح ، وَجَدَتهُ فاستقرت .
كان رجلا مستلقيا على لوح خشبي يبدو أنَّه بقايا تابوت محترق .
كان عاريا ، يرتفع كل حين ثم يسقط مرتطمًا باللوح .
كنت أنتظر خلف الكواليس ، لم أعرف دوري في ما أرى ، كان منظر السقوط متكررا حتى جزعت من صوت الإرتطام .. لا صرخة تخرج من هذا الرجل ، ثم كيف يكون ما يحصل دون حبال أو ما شابه ؟!
الجمهور صامت .
تملكني الغضب ، صرت أبحث عن المُخرِج
.. لم أجده !.
وجدتُ سُلّمًا يؤدي للأعلى ، توليت صعوده بسرعة لأكون فوق و المسرح تحتي .
لوحةٌ مكتوب عليها ،
“ها قد صعدتِ الآن ..
إنهي المشهد
بأن ترتدي زي النجم الذي بقربك ..
حبيبتي أنقذيني.”

نظرت بقربي كان زيًا لنجمٍ ناري بذيلٍ طويلٍ ، ارتديته .. و بحركة سريعة وجدتني أطوف فوق الجميع و أرتفع لأخترق سماء المسرح و الكل يصرخ :
انظروا إنه مذنب هالي..!

ليلة عصيبة مع هذا الإنسان المتمرد على الموتِ والدفن في الأرض ، الراغب بأن يُدفن في السماء كنجم قرب الشمس لكن دون جدوى لمحاولاته ، لقد أهانني حين جعلني مُذَنّبًا موبوءا بالخرافات يستسيغه الجمهور الصامت لينتصر بظهوره على ظالم ما.
بقيتُ أتحرك في سمائهم حتى سقطتُ مرتطمةً بذاتِ اللوحِ ، بقايا التابوت المحترق و الرجل العاري لأكون نهاية له على المسرح و النيران تلتهمنا فلا أرض و لا سماء ولا وجه ولا إسم ولا عنوان .. فقد جمعنا شارع متلهف للغرباء حيث سراب الحقيقة والأرواح.
كنتُ أسمعُ الجمهور يصفق و يصفق حتى انتهينا أنا والبطل المُخرِج.. قطعتا فحم في تابوت محترق .
حاولت أن أفهم مغزاه فسمعته يقهقه ثم ماتت روحه .. ومتُ.
.
ابتهال الخياط

شاهد أيضاً

مرام

مغارةُ الفرحِ .. ميلادُ العيدِ ______ مرام عطية

منبر العراق الحر: يانبعَ الجودِ، مرَّ بأوطاننا اسكب طيبكَ على جراحها ، و اسقِ نفوسنا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *