الرئيسية / مقالات / الحريم: من ألف ليلة إلى منصات الموضة الغربية.! بقلم : ربيعة جلطي
ربيعة جلطي

الحريم: من ألف ليلة إلى منصات الموضة الغربية.! بقلم : ربيعة جلطي

منبر العراق الحر :

أصدقاء وقراء “ربيعيات”..هي ذي..قراءة ممتعة🌺.

هي هكذا في فرادتها. لا تحاضر فاطمة المرنيسي ولا تكتب ولا تقوم ببحث سوسيولوجي ميداني، إلا وتثير نقاشا واسعا. مختلف الأصداء، والتوتر المعرفي واللغات. كتب فاطمة تشبهها.لا تمر دون انتباه. فلم يبرد مداد كتاب فاطمة المرنيسي الأول ( جنس أيديولوجيا وإسلام)، ولم تفتر النقاشات حوله، حتى نشرت كتابها الثاني (الحريم السياسي: الرسول والنساء) الصادر بباريس عن منشورات ألبا ميشال. لا بد أنها كانت تريد من خلاله تعميق النقاش هذه المرة كباحثة متمرسة تسائل التاريخ وكتّاب التاريخ عن أسماء نساء لعبن أدوارا أساسية في دواليب السياسة، ثم ألقي بهن عنوة من سفينة بحر النسيان بأمر من التأريخ الذكوري، و بمؤامرة من كتّاب التاريخ العربي و الإسلامي. ترفض فاطمة المرنيسي المقولة التي ترى بأن الإسلام لا يقبل أن تحتل المرأة فيه زمام السلطة، وتضرب لذلك أمثلة بنساء الرسول (ص) اللواتي كن يناقشن في أمور السياسة، ويذهبن إلى الحروب.
وتؤكد الباحثة أن صورة المرأة اليوم في العالم العربي الإسلامي، المنزوية خلف الأستار والأسوار ليست من الإسلام الأول في شيء، ولا تشبه امرأة المدينة في القرن السابع. تدفع الباحثة فاطمة المرنيسي بدفتي باب النقاش أكثر، لتشرعها على أسئلة أعمق حين تصدر كتابها ( سلطانات منسيات..) ، الحديث هنا هو معالجة سياسية-سوسيولوجية عن دور النساء الهام في المراحل الأولى من انتشار الإسلام. نساء تقلدن الحكم ومارسنه. إنه كتاب أرادت به الباحثة فاطمة المرنيسي أن تكذّب الادعاء المنتشر، القائل إن المرأة خلال التاريخ الإسلامي كانت غائبة أو مغيبة تماما، ولم تتقلد أية مناصب سياسية.
ولكي تثبت ما جاءت به من أخبار عن حيوية المرأة في المجتمع آنذاك، التجأت الباحثة إلى قراءة تاريخية متأنية لتفاصيل ما حدث ما بين القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.. أما كتابها (أحلام نساء.. طفولة في حريم ) فإنه الكتاب الأول بأسلوب إبداعيِّ سردي في شكل الروائي أوتوبيوغرافي. حمّلته بحاستها الأدبية و عينها السوسيولوجية كثيرا من تفاصيل سيرتها الذاتية. حكت فيه بأناقة أدبية وقائع طفولتها في مدينة فاس العريقة، وصورت التفاصيل الدقيقة للحريم . فضاء زاخر بالنساء ضاج بأصواتهن وأحلامهن. حركت فيه شخصيات نسائية مختلفة، بخصوصيات ومستويات مختلفة. الراوية-البطلة في هذا الكتاب السيروي هي فاطمة المرنيسي نفسها. كأنها شهرزاد ألف ليلة وليلة، تروي حياة تراوح بين الواقع والحلم. بين الرفض و التحدي. و القبول والإذعان على مضض. حياة داخلية تلتقط كل شيء مختلف مهما صغر، وتصيخ السمع إلى ما يحدث في العالم الخارجي، فيجسد معنى ويحدث الدهشة. كتاب لطفولة في حريم. نسيج راق يتضافر فيه الحس الإبداعي الحر، بالعين الأكاديمية والباحثة الناقدة . الكتاب ليس رواية سيرذاتية لفاطمة فحسب، بل رواية سيرة ذاتية بصيغة الجمع. سيرة لشعوب بأكملها بثقافتها وأحداثها وشخوصها. ولأن المرنيسي الباحثة، تتمسك بحس الفضول في ترحالها ومعايشتها للمجتمعات الغربية، وتعرف حقيقة العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال فيه ، فلم تتخلّ عن حسها النقدي وهي تسجل رؤوس الأقلام والملاحظات الدقيقة، وذهبت بعيدا في حفرياتها لجوانب من الوعي الجمعي أثناء تنقلاتها بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فلم تجد في وضع المرأة الغربية داخل مجتمعاتها ما يثير الراحة الفكرية، فجاء كتابها ( الحريم والغرب) لاذع النقد، ويجاهر بالقول إنه إذا كانت المرأة في جنوب المتوسط تعيش بجسد محاصر في حريم مغلق. يعج بالخيال. فإن المرأة في شماله بدورها ليست خارج الحريم. إنها سجينة حريم من نوع آخر. تخضع أسواره لهندسة بشرية و سياسية أخرى. المرأة الغربية أيضا ليست مرتاحة في جسدها. جسدها ليس حرا. إنه خاضع لقالب قاس وموجع. تعاني كي تُدخله في القالب المصبوب مسبقا. فمنذ أن يبدأ وعيها بجسدها وأنوثتها في التشكل، فإن المرأة في الغرب تجد نفسها فريسة رعب يتعاظم حولها. ويضيق على حريتها. يصبح هاجسا يوميا. المرنيسي تنتقد وضع المرأة الغربية. سجينة حريم مقاييس الجمال التي يفرضها بقسوة حراس معبد الموضة في الغرب. عبودية تفرضها الرأسمالية ونظام الاستهلاك. وتعني المرنيسي الرجل الغربي الذي وإن كان لا يأبه كثيرا لتجاعيده، ولا يعيبه كثيرا شعر صدغيه المبيض، ولا الوزن الزائد حول بطنه، إلا أن المرأة في بلاد الغرب تقع تحت ضغط نفسي واجتماعي قويين، نتيجة المقاييس القاسية التي إن هي أهملتها، تقصى من مملكة الأنوثة، بحيث لا يجب أن تتجاوز دائرة خصرها رقم 38 إنه (حريم قياس 38) كما تسميه الباحثة فاطمة المرنيسي.
لعل الباحثة السوسيولوجيّة المستيقظة في فاطمة المرنيسي، أرادت أن تفسد على الغرب المتعة الإكزوتيكية التي تستهويهم عادة وهم يسألونها عن أحوال وأهوال وغرائب الحريم في الشرق. كأنها ترد عليهم بصورة ونموذج المرأة في الغرب كمجتمع استهلاكي. على الرغم من القوانين المتطورة المحررة للمرأة، إلا أنها مازالت ترزح تحت سلطة قاسية ظالمة، خلف أسوار سجن من نوع آخر. سجن المادة والمظهر. حريم من نوع آخر. حريم مختلف لا بد من نقده و إدانته ومحاربته. كأنها تقول بسخرية سوداء:
– كلنا في الحريم شرق..ومازال أمام الإنسانية في الشرق كما في الغرب، طريق طويل وشائك لمواجهة «الحريم» بأنواعه.!

ربيعة جلطي

شاهد أيضاً

علي الاسدي

مقتدى والعامري وعبد المهدي …علي الأسدي

منبر العراق الحر :   كان هناك رجل يتمنى أن يصبح غنيا، وعمل جاهدا أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *