الرئيسية / مقالات / الضخ الطائفي والحصاد المدمر – القسم الثاني… جعفر المهاجر
جعفر

الضخ الطائفي والحصاد المدمر – القسم الثاني… جعفر المهاجر

منبر العراق الحر :.
ومن يك ذا فم مر مريض – يجد مرا به الماء الزلالا.
منذ الأزل وتربة العراق هي أم حنون رؤوم تحتضن كل العراقيين الذين عاشوا في حضنها الكريم الدافئ والمقدس ، ودافعوا عنها بأرواحهم ومهجهم بكل مايملكون.لأنها ملاذهم وبلسم جراحهم وهويتهم الوحيدة. ورغم المصائب والأهوال التي مرت بهم حافظوا على وحدة أرض هذا الوطن الحضاري الكريم. وتقاسموا لقمة العيش. وظلوا متحابين موحدين متآخين على إختلاف قومياتهم ومذاهبهم، يساعد بعضهم بعضا دون حدود، ولا يفت في لحمة وحدتهم أي عدو غاز أو دعوة طائفية مقيتة أوعنصرية خبيثة . وهذه الحالة المشرقة ليست صورة وردية أو خيالية. بل هي حقيقة ساطعة كنور الشمس. ومن أراد التأكد منها فليقرأ تأريخ العراق.
ولو تطرقنا بشكل سريع إلى فترات الإحتلال التي تعرض لها في العصور المتأخرة إبتداء من فترة الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام 1258م والتي أدت إلى سقوط بغداد ثم فترة الإحتلال العثماني المظلمة عام 1534م والتي دامت أربعة قرون كانت في قسوتها وظلمها أثقل من ثقل الجبال على العراقيين. ثم جاء الإحتلال البريطاني عام 1921م بقيادة الجنرال مود الذي أطلق مقولته الشهيرة الكاذبة ( جئنا محررين لافاتحين .) وقد حاول الغزاة على مر كل هذه الفترات المظلمة الطويلة دق إسفين بين مكونات الشعب العراقي لتثبيت إحتلالهم وتحكمهم في رقاب الناس. إلا إنهم لم ينجحوا في ذلك ، وخرجوا مهزومين خائبين يجرجرون معهم أذيال الهزيمة والعار. وظلت تربة العراق موحدة يتنقل فيها العراقي حيث يشاء دون أية قيود ليعيش بأمان واطمئنان مع جيرانه وإخوانه .
وكانت الثورات التي قام بها العراقيون ضد الإنكليز ونبراسها ثورة العشرين الخالدة في 30 حزيران عام 1920 خير شاهد على وحدة الدم والمصير التي جمعتهم. ففد بدأت شرارة تلك الثورة الشعبية العارمة في الرميثة وسرعان ماانتشرت في منطقة الفرات الأوسط ثم إنتقلت إلى خانقين وأربيل والسليمانية. ولا أبالغ إذا قلت إنها كانت أم الثورات الوحدوية التي قادها المرجع الديني السيد محمد تقي الشيرازي. وكان من قادتها البارزين السيد جعفر أبو التمن رائد الوحدة العراقية والشيخ شعلان أبو الجون والشيخ ضاري المحمود والشيخ مهدي الخالصي والسيد محمد سعيد الحبوبي وغيرهم من رجالات العراق الوطنيين. ووقف الشعب العراقي فيها موحدا كالطود الأشم ضد الإستعمار البريطاني، وأذاقت المحتلين السم الزعاف، ولقنتهم دروسا قاسية لن ينسوها مدى الحياة. وأنتجت أواصر تلك الوحدة الشعبية قصصا رائعة يعجز اللسان عن وصفها. وثورات 1924 و 1926 و1927 و 1928 و 1935 وثورة مايس عام 1941 بزعامة رشيد عالي الكيلاني كانت أحداثا بارزة في تأريخ العراق.إلى أن تكللت تلك الثورات الشعبية المباركة بثورة 14 تموز الوطنية الكبرى بزعامة القائد الوطني الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم التي هزت كيان المستعمرين الأمريكان والإنكليز، وخرج الشعب العراقي عن بكرة أبيه تأييدا لها.وكان كاتب هذا المقال حدثا صغيرا يشارك جموع الشعب أفراحها .
وحين حدث الإحتلال الأمريكي البغيض للعراق عام 2003 م خرجت أفاعي الطائفية من جحورها، وأخذت تبث دعواتها الفتنوية التي تدعو إلى تقسيم العراق على أساس طائفي. وتحولت بعض المساجد إلى مراكز لفحيح تلك الأفاعي، وتحولت خطب الجمعة إلى صرخات طائفية تدعو إلى الكراهية والإحتراب بين أبناء الشعب الواحد، وبذل أصحابها كل مايستطيعون لتضليل أكبر عدد من الناس البسطاء، وتلويث عقولهم بمرض الطائفية. حيث إرتفع زعيق أحدهم والزبد يتطاير من شدقيه زاعقا:
(أين أنتم أيها العرب من الأفعى التي رأسها في إيران وجسدها في بغداد وذنبها في لبنان؟ بل أين أنت يامحمد الفاتح من أهلك الذين يذبحون على أيدي الصفويين ؟ ) وكانت دعوة صريحة إلى السلطان العثماني أردغان لآحتلال العراق. وزعق طائفي آخر وجسده يتأرجح كجذع خاو، ورأسه المعبأ بالطائفية يهتز كريشة في مهب الريح:
(الله أكبر أيها السنة في كل مكان من العالم كيف تبقون ساكتين وأنتم تشاهدون بغداد الرشيد وهي تسقط تحت نفوذ الفرس المجوس والقرامطة ؟)
وزعقت شراذم طائفية أخرى على منصات العار بتوجيه من القاعدة صارخة بهستيرية وجنون:
( نحن قادمون يابغداد لتطهيرك من أحفاد كسرى ورستم ) وغيرها ذلك من الخطابات الضلالية المحرضة التي تدعو إلى حرب طائفية عمياء يذهب ضحيتها الملايين من أبناء الشعب.
ومن أجل تكريس هذه الدعوات الظلامية عقد دعاة التقسيم مؤتمرات الفتنة في قطر وعمان وإستانبول تحت رعاية حكام الفتن الطائفية، وخرجوا منها بقرارات لاتختلف في مضمونها عن خطابات وعاظهم في المساجد. ونتيجة لهذا الشحن الطائفي المحموم برزت القاعدة،واستفحلت شوكة الإرهاب، وقامت القطعان التكفيرية المتعطشة لدماء الأبرياء بالتسلل إلى داخل العراق مدعومة بالمال والسلاح من الأنظمة الطائفية الخليجية المجاورة للعراق . وكان الشعار المهلهل هو ( إنقاذ سنة العراق من ظلم الشيعة وبطشهم.) وبدأت عشرات السيارات المفخخة تستهدف يوميا التجمعات السكانية في المدن العراقية. وصارت المساجد والأسواق والمطاعم والحسينيات وأماكن تجمع عمال البناء وغيرها أهدافا شرعية لإنتحاريين أوباش غسل شيوخ الطائفية أدمغتهم، ودفعوهم إلى قتل أنفسهم وقتل الآخرين معهم . وأدت تلك العمليات الإنتحارية إلى إستشهاد مئات الآلاف من الأبرياء، وسالت أنهار من الدماء على بطاح العراق بوجود حكومات محاصصاتية هزيلة عاجزة متناقضة مع بعضها، ويتفشى في مؤسساتها الفساد على أوسع نطاق.وظل الهم الوحيد لرئيسها وأفرادها البقاء في السلطة وجني أكبر المكاسب المادية منها دون الإكتراث بما كان يحدث سوى إطلاق البيانات الإستنكارية في الفضائيات.والإدعاء بتغيير الخطط العسكرية وتطويرها دون أن يحدث شيئ من كلامهم على صعيد الواقع. ولا أبالغ في القول إذا ذكرت إن عددا من داعمي الإرهاب من السياسيين تسللوا إلى مجلس النواب والحكومة عن طريق المحاصصة، وحين إنكشف أمرهم خرجوا من مطار بغداد أمام أعين السلطات إلى الدول التي دعمتهم. ولا أرغب في ذكر الأسماء التي يعرفها الشعب العراقي معرفة تامة. وكادت الحرب الطائفية تقع في العراق بعد تفجير قبتي الإمامين العسكريين ع في 22 شباط عام 2006 لولا وقفة المرجعية المشهودة التي وأدت تلك الفتنة العمياء التي حرضت عليها عشرات الفضائيات العربية . وكانت محطة الجزيرة المثل الأبرز في الضخ الطائفي المحموم ضد العراق بعد أن خصصت نصف برامجها لهذا الغرض الشيطاني الخبيث. ولا يمكن أن نتجاهل تصريحات مسعود البارزاني التي كررها لمرات عديدة في أوج تلك الفتنة حين قال:
(إذا حدثت الحرب الأهلية بين السنة والشيعة فنحن لاشأن لنا بها وسنبتعد عنها ) وقد كشف مابداخله وأثبت بالدليل القاطع إنه وحزبه شركاء في ثروة العراق فقط.
وكان على رأس تلك الدعوات المشبوهة لتقسيم العراق هي دعوة
( جوزيف بايدن) نائب الرئيس الامريكي أوباما.لكن دعوته تمزقت على صخرة الوحدة العراقية.
وأخيرا أنتجت تلك الخطابات الطائفية السرطان الداعشي الذي عاث في الارض فسادا وقتل ودمر وأحرق وسبى النساء. وكانت المناطق السنية من أولى ضحاياه ، وهرب دعاة الطائفية إلى تلك الدول التي كانت تحث عليها خوفا من بطش داعش، ولم يثبتوا كالرجال الشرفاء في الدفاع عن مناطقهم وأعراضهم . لكنهم مازالوا على ضلالهم،ولم يتعظوا من تلك المصائب التي حلت بمناطقهم .
وبعد كل هذه المآسي الكبرى التي حلت بأخوتنا وأحبتنا في المناطق الغربية بعد أن عاث فيها الدواعش فسادا وإفسادا ، وامتزجت دماء العراقيين في ساحات الوغى ، وحرروا تلك الأرض العزيزة من دنس هؤلاء الأوباش اللقطاء ظل فحيح أفاعي الطائفية التي لم يرق لها ذلك التحرير ووحدة الدم ينطلق من خلال بعض الفضائيات المعادية لوحدة الشعب العراقي. ولا شك أخوتنا الذين قال عنهم المرجع السيد علي السيستاني (إنهم أنفسنا) يحتقرون من يطلق هذه الدعوات المدمرة ، ويقبرون أحلامه وأحلام من يقف معه.
فمن حق أي إنسان أن يعيش في وطنه آمنا مطمئنا مصان الكرامة، متمتعا بحقوق المواطنة ، ومن حقه أيضا أن يعتز بدينه وقوميته بشرط إحترام الآخرين وعدم الطعن في مذاهبهم وأديانهم وقومياتهم . وهذا ما أمرت به شرائع السماء وقوانين الأرض. أما خطاب الكراهية ورفض الآخر فلا يولد إلا التدهور وتدمير المجتمع.
وهذه نماذج سيئة من خطاب الكراهية البغيض الذي تطلقه هذه الأصوات القبيحة في وسائل الإعلام المعادية معتقدة إنها ستحقق مآربها الخبيثة من خلاله ولو من خلال بحر من الدماء :
(إن الفكر الشيعي لوث الثقافة السنية) و(التشيع هو قنطرة فارسية ) و( الشيعة ليسوا من الأمة ) و( بيت المقدس لم يتحرر مالم نقضي على إيران وشيعتها ) و(أكبر ذنب إرتكبه السنة هو رفعهم لشعار إخوان سنه وشيعه هذا الوطن مانبيعه) و(إن ثورة العشرين هي ثورة فارسية) و( الشيعي العربي هو أشنع وأشد إجراما من الشيعي الفارسي) و( إن مشكلة العراق الكبرى هي وجود الشيعة على أرضه.) و( لاعلاج للشيعة إلا العزل )
و( المشروع السني هو مشروع إلهي مقدس.) و( لابد من زرع توازن الرعب بين السنة والشيعة .) و(ما الشيعة إلا طائفة تكفيرية توجب قتل المسلم وآستباحة ماله وعرضه.!!!)
أليس هذا الخطاب هو نفس خطاب أبو بكر البغدادي إن لم يكن أشد منه بذاءة وحقدا. ؟
وإنني على ثقة تامة كمواطن عراقي إن الشعب العراقي سيبقى بالمرصاد لهذه الأفاعي الضالة. وإن جميع القوميات والمذاهب في هذا الوطن سيظل يعانق بعضها البعض كإضمامة ورود فواحة، وقوة يهابها العدو،ومثل طيب طاهر لتآخي العراقيين وتحاببهم رغم بعض العاقين الذين شذوا عن هذا الطريق القويم، فضاعوا في طرق شائكة ملتوية، وخالفوا تلك الأواصر العريقة النبيلة ،وسقطت دعواتهم وسقطوا معها. وسيذهب كل من يسلك سلوكهم المنحرف، ويدعو إلى تمزيق هذا الوطن العريق وتحويله إلى مقاطعات ودويلات وكيانات هزيلة ضعيفة مريضة معادية لبعضها إلى مزبلة التأريخ تلعنه الأجيال مهما تلقى من دعم مالي وإعلامي وتسليحي من أعداء العراق.
جعفر المهاجر.

شاهد أيضاً

هادي

هل يغرق عبد المهدي …..هادي جلو مرعي

منبر العراق الحر : النقص ضد الإكتمال فلايلتقيان. ومنهم من يجمل الكلمة فيسمي الناقص بغير …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *