الرئيسية / ثقافة وادب / نساء..! بقلم : ربيعة جلطي

نساء..! بقلم : ربيعة جلطي

منبر العراق الحر :
لا تخفي لالّة رحمة اعتزازها وفخرها بشرفتها الوحيدة ببيتها الصغير. شرفتها الأنيقة المطلة على جانب من المدخل الرئيسي لمدينة «ندرومة» على طريق تلمسان. منها تطل لالة رحمة كل صباح ومساء على ثمار السماء ومفاجآتها، وتطل على شجر الصنوبر العالي المترنحة رؤوسه، المطلة من خلف سياج مقبرة المدينة العتيقة، تظلل مرقد الولي الصالح الصوفي «سيدي امحمد البجايي» ذي البركة وسعة العلم . ذاك كل إرثها من والدها. أما ابن أخيها «بنعمر» وارث شقيقها السي الطالب، فيملك المساحات الشاسعة المجاورة، والمحاذية لبيتها الصغير. اشتراها من أعمامه واحدا واحدا، ويملك أصابعَ مطلقةً، في سراديب الحكم، والقضاء، والجاه، والمال، ويملك شبكة من علاقات الأمر والنهي. ثم إنه بصدد تشييد بناء ضخم بعدة طوابق.
يدق قلب لالة رحمة كلما ازداد البناء الضخم البشع علوا واحتلالا للسماء. وقد طلبت منه أن لا يبني حائطا يغلق شرفتها، لكنه تجبّر:
– أمامك المحكمة ..روحي ارفعي دعوة ! قال لها بصوت متعال بارد صقيعي.
كانت لالة رحمة سعيدة حين حكمت محكمة قضاء المدينة لصالحها، وقضت بمنع بنعمر من بناء الجدار، لأنه يشوه المنظر العام ولأسباب أخرى.
في شرفتها الصغيرة الوحيدة، تربي لالة رحمة الأزهار و الحبق والنعناع. تعتني بها وتسقيها بحنان وطيبة. طيبة أجدادها. فمازال أهل المدينة العتيقة يتناقلون ما يُحكى عن جدٍّ للآلة رحمة، ذاك الرجل الثري الذي باع جل أملاكه وأراضيه الشاسعة أثناء الحرب العالمية الأولى، لينقذ ما استطاع إليه سبيلا من أسر فقيرة عديدة بأطفالها، كان موت المجاعة المحقق آنذاك يهددهم ويحصدهم كل ثانية.
تطل لالة رحمة من شرفتها الصغيرة الوحيدة، على بحر على بعد كيلومترات. تشمّ رائحته ولا تراه. يحمل عبق”سيدي يوشع” الذي يرقد متوسدا كتف البحر الأبيض المتوسط. إنها تدندن:
– يا لله نْزورو داكْ الوليّ .. سيدي يوْشع ولالة سَتّي.!
شرفة لالة رحمة فخرها وزهوُ جلساتِها. فيها تتحلق جاراتها المسنّات الباقيات حول مخاض الحكايات، وهن يرتشفن قهوة العصر وشايه. منها يشاهدن الأيام الخوالي ويتحدثن عن شبابهن، وتفاصيل من أيام ثورة التحرير وأهوالها، ووقع خطوات العسكر والسليغان.
للالة رحمة شرفتها الصغيرة الوحيدة المطلة على السماء والأفق، ولابن أخيها ماله وجاهه، والأرض الشاسعة المحاذية لها، وله الرغبة العارمة في رفع الجدران الضخمة والطوابق.
في تلك الظهيرة، عادت لالة رحمة من السوق، يشعّ حائكها الأبيض من بعيد وهي تجر خطواتها المتعبة، وتحمل قفتها الصغيرة. وإذ اقتربت من بيتها الصغير لم تَر شرفتها. كان ابن أخيها بنعمر والبناءون هناك في حركة دائبة. اختفت شرفتها الصغيرة. لم تعد تظهر. غطاها حائط إسمنتي بشع. سقطت قفتها الصغيرة من يدها وسط الطريق .احمر وجهها وسالت دموعها.
وكأنها جرت فوق الجمر. سارعت الخطى نحو بابها. فتحته ثم صعدت باكية .. كانت تدفع الحائط الإسمنتي الضخم الطازج بيديها النحيلتين. تحاول بيأس أن تزيحه. أن تفتح شرفتها التي أظلمت نهائيا على السماء .
انتهى الأمر. الجدار البشع الأعمى أطفأ السماء في وجه شرفة لالة رحمة. الجدار البشع أغلق الزرقة، وجزّ أعناق الزهريات والحبق والنعناع، ومحا العطر من المكان.
أمام باب شرفتها الصغيرة المطفأ، وسط الظلمة الجديدة، ورائحة الإسمنت الطازج، كانت لالة رحمة تجلس باكية. لم يشفع لها أنها عمته المسنة، وأنها المريضة، وأنها الجارة..
كيف لا يجرؤ أن يتخطى كل شيء وهو الأقوى، وله علاقات مع الأقوياء، وبما أن له معارف مع «الفوق» فهو فوق الحق وفوق القانون.
لم يطُل عذاب لالة رحمة طويلا، فقد توقف قلبها الرقيق بعد فترة قصيرة بعد الحادثة، لترقد إلى جانب جدها الطيب بمقبرة سيدي امحمد البجايي. مات ابن أخيها بنعمر في حادث مرور عادي. تساوى مع الأرض كالباقين من شجرة آدم الكبيرة. لكن هناك جدارا بشعا يجثم على صدر شرفة صغيرة معطرة، ماانفك ينظر شزرا للصنوبر البهي المتعالي قبالته، ومازال يسخر من الناس المارين بسرعة عند قدميه.

شاهد أيضاً

أحبك ولكن ….. نور النعمة

منبر العراق الحر : أحبك ولكن ….. مازلت أربي شِعري لطول قامتك أحبك ولكن….. نسيت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *