الرئيسية / تقارير وتحقيقات / السرد والأسلوب بمفهوم ذرائعي… د. عبير خالد يحيي

السرد والأسلوب بمفهوم ذرائعي… د. عبير خالد يحيي

منبر العراق الحر : حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي-لجنة الذرائعية للنشر

عفوية السرد:

أشار علماء النفس إلى وجود سبع عشرة غريزة يمكن أن تسكن في عقل الإنسان ولديه القدرة على التحكم فيها…

وتعدّ اللغة والسرد، نمطًا من الغرائز التي تولد مع الإنسان وتسكن عقله, فلماذا لم يُعتبر السرد غريزة من ضمن الغرائز السبع عشرة ولم يُعدّد معها؟

والجواب ببساطة لأن السرد ظهر بعد تحديد الغرائز وتصنيفها, وأرى أنه من المفروض أن تُضاف إليها بعد أن أُقرّت حديثًا.

فقد أثبت علماء الأحياء والأنثروبولوجيا وعلماء اللغة بأنّ مركز اللغة هو العقل, هذا المركز يحتل جزءًا كبيرًا من المخ البشري، وقد أثبت (تشومسكي) ذلك في نظريته التوليدية, وقد أكّد صحة نظريته أخيرًا بيولوجيًّا وطبيًّا طبيبا الأعصاب (بروكا) الفرنسي و(فيرنيك) الألماني, اللذان تمكّنا من تحديد منطقتين:

– الأولى منطقة (بروكا):

وهي تتعامل مع الكلام ( الصادر), اكتشفها بروكا في اثنين من مرضاه فقدوا القدرة على الكلام بعد إصابتهم في الجزء الخلفي من الفص الجبهي السفلي من المخ, هذه المنطقة إن تعرضت للأذى يصاب المرء بما يسمى ( حبسة بروكا), أي العجز عن إنتاج اللغة أو الكلام.

– الثانية هي منطقة ( فيرنيك):

اكتشفها الألماني فرنيك وهي ترتبط باستيعاب اللغة, وتتعامل مع الكلام الوارد, وتؤدي الإصابة بها إلى اضطراب في قدرة الفرد على الاستيعاب اللغوي, وتسمى (حبسة استقبالية), فيعاني المريض من صعوبة في فهم اللغة, ويستطيع التحدّث بطلاقة, وتكوين جمل طويلة ومعقدة, لكن لا معنى لها, وهذا يؤكد لنا حقيقة, ماهي؟ الحقيقة هي أن هناك فارقًا بين الكلام واللغة, في حالة الحبسة الاستقبالية لا يجد المريض أي مشكلة في إنتاج الكلام, لكن مشكلته في إنتاج اللغة, أي (الكلام ذو المعنى).

وعندما يتجاوز الطفل سنته الأولى ويطلق لسانه بالكلام، فيتحوّل هذا الفعل إلى عامل سردي، فتشتدّ لديه قوة السرد والتعبيرعن ما يجول بخاطره من أمور, لا تحتاج عملية الإشهار عن طريق البكاء أو الصراخ، بل يستعاض عنها بالكلام الصريح، ونستنتج من ذلك أن الطفل المتمكّن من النطق حتى بأنصاف الكلمات، يستطيع أن يقوم بعملية السرد لقصة كاملة بعناصرها البنائية السردية لوالديه، و ما يحدث له من صراع وعراك مع زملاء طفولته في الشارع أو الروضة أو المدرسة في سنته الابتدائية الأولى، بكلمات وجمل مفيدة ومضبوطة بالنطق والسياق اللغوي، وتستطيع الأم أو الأب من خلالها إدراك ما يحدث، أمّا إذا كان في الثانية أو الثالثة وحتى السادسة من المرحلة الابتدائية يكون تعبيره السردي ناضجًا بسرد محبوك بهيكلية فنية وجمالية، دون أن يعرف شيئًا عن ماهية الهيكلية الأدبية أو البناء الأدبي الفني والجمالي للقص أو الروي.

أليس هذا نوع من الإشهار لتعبير الإنسان عن حاجاته إلى الكلام كبديل متقدّم عن البكاء والصراخ…!؟

وما أريد قوله، ليس لأحد من فضل في اكتشاف أو ابتكار عنصر واحد من عناصر البناء الفني للقص أو الروي في الحقل الأدبي, إلّا( العنوان) فهو من ابتكار الكاتب، و باستطاعة أي طفل في الخامسة أن يسرد قصة حدثت له في الروضة بمنطقية التعبير السردي العفوي من خلال العناصر الفنية التالية:

1-الزمكانية

2-الصراع أو التشابك السردي

3-العقدة

4-الانفراج أو الحل

5-النهاية

6- بحبكة معقولة وشخصيات

وهذا دليل بديهي على عفويّة البناء السردي الفني.

محاور التشابك السردي في النص الأدبي النثري

Description: ب_2 (1)

· نوضح الفرق بين النظرة الفلسفية والنظرة البحثية في السرد:

النظرة الفلسفية للسرد:

هو أن الصراع الدرامي هو جزء من ( التشابك السردي), هو المثلث السفلي الذي ينتهي بالعقدة.

أما البحثي:

فهو التعريف بالمصطلحات السردية (الزمكانية والصراع الدرامي, العقدة والانفراج والنهاية, الحبكة ضمنًا), وهو ما تحدّث عنه النقاد والمنظّرين فقط, دون أن ينتبهوا للمنظور الفلسفي.

يبدأ التشابك السردي من العنوان والاستهلال الذي يمثل قاعة مثلث الصراع في الأسفل يتعامد عليها في الوسط تمامًا (محور التوليد) الذي تتولّد عليه الأحداث بالتزامن مع الهجوم من قِبل طَرفَي الصراع: ( محور التكوين) الذي يحمل الشخصية المحورية والشخصيات المساعدة, و(محور المعارضة) الذي يحمل الشخصية أو الشخصيات المعارضة, تتجمّع الأفعال وردود الأفعال من صراع هذين المحورين على محور التوليد, فتتالى الأحداث وتتزاحم حتى تملأ مساحة المثلث السفلي, تتقارب باشتداد الصراع حتى تتلاقى المحاور الثلاث بالعقدة.

سؤال : لماذا كان محور التوليد بالوسط؟

الجواب: لأنه يجب أن يمر بالعقدة, والعقدة تقرّر انقلابه من صراع درامي توليدي إلى حل توليدي في المثلث العلوي.

سؤال: لماذا سمّيت ( العقدة)؟

الجواب: لأنه تعاقد فيها محورَي الصراع, محور التكوين ومحور المعارضة ب (اشتراك عقدي), واشترك فيها محور التوليد ب( اشتراك انقلابي).

إذن لا يجب أن نقول عن البناء الفني صراع درامي, لأن الصراع الدرامي انتهى بالعقدة, وبدأ بناء فني آخر, هو مثلث الحل الذي سنرصد فيه الانفراج والحل والنهاية, واختفاء شخصيات الصراع ما عدا الشخصية البطلة التي ستضع النهاية.

· ما هو الفرق بين البناء الفني والبناء الجمالي؟

البناء الجمالي:

له استرتيجية الصقل وتجميل البناء الفني, وله مجال كبير لا يُحدَّد, ينضوي فيه (السرد اللغوي –الأسلوب- الجمال- الحوار- البلاغة والبديع- الوصف- الصور) ولدينا نوعين من الجمال:

لماذا هناك نوعين من الجمال؟

1- الجمال اللغوي ( البيان والبديع).

2- وعلم الجمال : كل جملة في الأسلوب تؤشر باحتمالات مؤجلة بالمعنى نحو إيجابية الجمال.

الفرق بينهما بعلميّة المعنى, علم الجمال سيمانتيكي, والجمال اللغوي براغماتيكي ( لأن فيه الكناية والاستعارة) وهي تشير إلى معان مخبوءة.

البناء الجمالي يحيط بالبناء الفني ويسد ثغراته, فقد تكون القصة تقريرية, فكيف نسدّ هذه الثغرة؟

سؤال: هل يمكن أن يكون القص تقريري؟

الجواب: لا يمكن أن يخلو الأدب من التقرير, يبدأ تقريري ( بسرد حدث) ثم من التقرير ينطلق الأدب, وهنا يجب أن نحدد انطلاقة الأدب.

السؤال: متى ينطلق الأدب فنيًّا؟

الجواب: ينطلق الأدب فنيًّا بالمكونات الجمالية .

ماهي المكونات الجمالية؟

( السرد اللغوي –الأسلوب- الجمال- الحوار- البلاغة والبديع- الوصف- الصور) كما هو موضح في الشكل:

هنا لم نغطِ المحاور, أخذنا العمل الأساسي ببنائه الفني( التشابك السردي) ضمن شكل إهليلجي, محاطًا بالمكونات الجمالية ( السرد- الأسلوب- الجمال- الصور – البلاغة – الحوار)

Description: الوصف: ب7 (2)

التفريق بين فلسفة البناء السردي ( التشابك) وفلسفة البناء الجمالي( استراتيجية الصقل وإعادة البناء)

§ ما هو الفرق بين الأدب والصحافة؟

الصحافة: سرد تقريري إخباري مباشر بالكامل, لا يوجد فيه انزياح.

الأدب : سرد ينزاح نحو الخيال والرمز والجمال.

§ ما هو السرد, وماهو الأسلوب؟

-السرد : بأقرب تعاريفه إلى الأذهان هو الحكي والذي يقوم على دعامتين أساسيتين:

أولهما: أن يحتوي على قصة ما تضم أحداثًا معينة, قام بها أشخاص في مكان وزمان معين.

وثانيهما: أن يعين الطريقة التي تُحكى بها القصة، وتسمى هذه الطريقة سردًا، وهي الطريقة التي تتوالى الأحداث فيها في النص حتى تصل للمتلقي، وهذا مؤشر مهم في جماليّة النص، يعكس حرفنة ومهارة وإبداع النصّاص, أي استراتيجيته.

الأسلوب: وهو النسيج السردي الذي يشير نحو درجة الأدب وعمقه السردي وذلك بدرجة انزياحه نحو الخيال والرمز..

§ ماهو الفرق بين الأسلوب والسرد؟

كالفرق بين العلم والأدب:

فالسرد: علم يشمل البنائين الفني والجمالي, أي يشمل كل عناصر الروي والقص – بما فيها الأسلوب- لذلك يُعتبر السرد علمًا قائمًا بذاته, ولم يقتصر على الأدب فقط, فالسرد تشتمل عليه كل المناهج الدراسية ( التاريخ والجغرافية ووووو وحتى المناهج العلمية).

أما الأسلوب فهو ليس علم لأن فيه انزياح.

السرد: علمي

الأسلوب: أدبي

والأسلوب يضع الإسفين بين الأسلوب العلمي ( الذي تكتب به الأبحاث العلمية) والأسلوب الأدبي المنزاح نحو الخيال والرمز والجمال( الذي تكتب به الأجناس الأدبية)

علينا أن نميز بين مفهومين رئيسيين ونحن نتحدث عن الأسلوب الذي ينتهجه الكاتب في كتابة نصوصه, هما :

الاستراتيجية : وهي طريقة الكاتب في الكتابة,أي طريقته في السرد, التي تحدد لنا درجة إتقانه لاستخدام أدوات الكتابة بحرفنة, بمعنى أنها مدى حرفية الكاتب ومهارته في استخدام أدوات الكتابة, وهي تخص السرد.

أما التكنيك: هو طريقة اختيار الأديب لأدواته بالشكل الذي يميّزه عن غيره, ويحكم له بالتفرّد في صياغة أفكاره والتعبير عنها, كإمضاء أصبع الإبهام ( بصمة).

وعلى ذلك يختلف السرد عن الأسلوب بأن السرد مجموعة استراتيجيات, بينما الأسلوب مجموعة تقنيات. لذلك دخلت العصرنة في الأسلوب أكثر من السرد, لأن السرد تحدده العفوية السردية, والأسلوب تحدده المعرفة العلمية بالعصرنة ( بالمدارس).

الأسلوب كلّما تعقّد بالمدارس كلما كان عميقًا فإن:

حوى خلفية أخلاقية ___يدخل بمدرسة الفن للمجتمع

أبدى جمالًا________ يدخل بمدرسة الفن للفن

أبدى رومانسية_____ يدخل المدرسة الرومانسية

أبدى فلسفة_______ يدخل المدرسة الفلسفية

§ هل الأسلوب جزء من السرد أم السرد جزء من الأسلوب؟

الأسلوب هو جزء من السرد

§ من منهما يقرّر الأدب؟

الأسلوب, لأنه به الانزياحات.

§ إذا كان السرد عامًا, والأسلوب جزءًا منه, ماهي الحالة السحرية في الأسلوب؟ وهل الأسلوب ثابت أم متدرّج نسبيًّا؟

الأسلوب ليس ثابتًا وإنما متدرّجًا نسبيًّا, يبدأ -كما أقرّته الذرائعية- بالأسلوب المباشر -وأقواه السهل الممتنع- ثم الواقعي, ثم الرمزي, فالعميق, يخرج عن هذه الأساليب السريالية لأنه ذرائعيًّا ليس مسندًا للمجتمع.

فالأسلوب تكنيك خاص بالكاتب يشبه إمضاء الإبهام ( البصمة), لا يتشابه فيه اثنان. والأسلوب كما قلنا تحدده معرفة الكاتب العلمية بالعصرنة عن طريق استخدام المدارس الأدبية, فكلما زادت معرفة الكاتب بإخضاع المدارس الأدبية لقلمه كتقنيات أسلوبية, كلما زادت درجة عمق أسلوبه الأدبي.

مثال:

الكلاسيكيون: يستخدمون مدرسة واحدة بالوصف, إمّا الطبيعية أو الرومانسية.

أما في عصرنا الحاضر, فيبرع بعض الكتّاب باستخدام مزيج من المدارس الأسلوبية إلى حدّ الفانتازيا كما وجدنا عند الدكتور شريف عابدين في روايته زالاتيا وكذلك أسرار شهريار والكثير من قصصه القصيرة.

وأعرف أديبًا يستخدم البرناسة والفن للفن والرمزية والطبيعية والتجريدية بخلطة واحدة, فتكون جمله مدروسة دراسة دقيقة تميّزه عن بقية الكتّاب, وهذا سرّ سحري يُدعى ب(المعاصرة الأدبية), وهي التي يمتاز بها كتّابنا البارعين في الوقت الحاضر, يسمى (أسلوب الخطف) لجمالية الجملة ووحدتها اللغوية.

§ كيف نجرّد الجمل في الأسلوب( التجريدي) Abstract؟

نكتب الأدب للأدب دون ذكر عناصر بناء فني, بل يُفهم البناء الفني من خلال الصور اللغوية في الأسلوب.

§ كيف نحسب درجة الرمزية في الأسلوب ؟

تتدرج المدارس في الأسلوب من الواقعية حتى السريالية, والواقعية أنواع ( الكلاسيكية – التقريرية – الصحفية – السهل الممتنع- الطبيعية- الرومانسية) مصحوبة بالغموض, عندما تزداد درجة الغموض فيها تتجه نحو الرمزية, حتى تغمض عينيها عند السريالية, فيبدأ الظلام أي الغموض الكلي, لذلك الذرائعية تخرج السريالية عن المدارس, لأنه لا فائدة فيها غير التحليق الفارغ, حسب المبدأ الذرائعي ( الأدب عرّاب للمجتمع), ويعبّر عنها السرياليون والدادائيون بأنها إناء الظلام, تكون موجوداتها كموجودات ضوء النهار.

غموض____ غموض_____

الواقعية_____________ الرمزية_______________السريالية

§ ما الفرق بين الرمزية والسريالية؟

في الرمزية يترك الكاتب على الأقل مفتاحًا يفتح غموض النص, أمّا في السريالية فتوهان في الظلام, حيث يقذف السرياليون حجرًا في الظلام فإن أصاب الحجر أحدًا, ربما صرخ أو أصدر صوتًا, فيقولون إن الظلام كالنهار!

§ ما الفرق بين الرمز والقرين؟ وما هي الرمزية المغلقة؟

في حالة النص المغلق, يكتب الكاتب برموز خارجة عن الواقعية ( غموض), فيسمى ب (الرمزية المغلقة), هو لم يقترب من الواقعية ولا السريالية, وقف بينهما, فحين يريد أن يفتحَ النص يذكرُ قرينًا.

مثال: كاتب يتحدّث عن مخلوقات لم يحدّد نوعها, عندما لم نفهم شيئًا, ثمّ ذكر كلمة ( بيطري), فكلمة (بيطري) هي قرين فتح النصَّ المغلق بكلمة واحدة تعرّفنا أنه يقصد حيوانات, وعندما يذكر قرينًا آخر يفتح النص أكثر وهكذا …

§ أين يبدأ سلّم المدارس الأدبية وأين ينتهي؟

يبدأ بالواقعية بأنواعها, ثم الرمزية – العميق ( منزاح نحو الخيال والرمز), وينتهي بالسريالية.

§ لماذا خرجت الرومانسية عن سلّم المدارس وأصبحت لوحدها؟

لأن سلم المدارس ابتدأ بالواقعية وانتهى بالسريالية, والرومانسية تدخل في كل شيء, لأن درجة الانزياح فيها كبيرة باتجاه الخيال والجمال, والحياة كلها مبنية على الثنائيات الرومانسية ( ذكر وأنثى)و ولا يمكن أن نتصور عمل سردي خالٍ من قصة حب.

#دعبيرخالديحييحركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

لجنة الذرائعية للنشر

بقلم: د. عبير خالد يحيي

السرد والأسلوب بمفهوم ذرائعي

عفوية السرد:

أشار علماء النفس إلى وجود سبع عشرة غريزة يمكن أن تسكن في عقل الإنسان ولديه القدرة على التحكم فيها…

وتعدّ اللغة والسرد، نمطًا من الغرائز التي تولد مع الإنسان وتسكن عقله, فلماذا لم يُعتبر السرد غريزة من ضمن الغرائز السبع عشرة ولم يُعدّد معها؟

والجواب ببساطة لأن السرد ظهر بعد تحديد الغرائز وتصنيفها, وأرى أنه من المفروض أن تُضاف إليها بعد أن أُقرّت حديثًا.

فقد أثبت علماء الأحياء والأنثروبولوجيا وعلماء اللغة بأنّ مركز اللغة هو العقل, هذا المركز يحتل جزءًا كبيرًا من المخ البشري، وقد أثبت (تشومسكي) ذلك في نظريته التوليدية, وقد أكّد صحة نظريته أخيرًا بيولوجيًّا وطبيًّا طبيبا الأعصاب (بروكا) الفرنسي و(فيرنيك) الألماني, اللذان تمكّنا من تحديد منطقتين:

– الأولى منطقة (بروكا):

وهي تتعامل مع الكلام ( الصادر), اكتشفها بروكا في اثنين من مرضاه فقدوا القدرة على الكلام بعد إصابتهم في الجزء الخلفي من الفص الجبهي السفلي من المخ, هذه المنطقة إن تعرضت للأذى يصاب المرء بما يسمى ( حبسة بروكا), أي العجز عن إنتاج اللغة أو الكلام.

– الثانية هي منطقة ( فيرنيك):

اكتشفها الألماني فرنيك وهي ترتبط باستيعاب اللغة, وتتعامل مع الكلام الوارد, وتؤدي الإصابة بها إلى اضطراب في قدرة الفرد على الاستيعاب اللغوي, وتسمى (حبسة استقبالية), فيعاني المريض من صعوبة في فهم اللغة, ويستطيع التحدّث بطلاقة, وتكوين جمل طويلة ومعقدة, لكن لا معنى لها, وهذا يؤكد لنا حقيقة, ماهي؟ الحقيقة هي أن هناك فارقًا بين الكلام واللغة, في حالة الحبسة الاستقبالية لا يجد المريض أي مشكلة في إنتاج الكلام, لكن مشكلته في إنتاج اللغة, أي (الكلام ذو المعنى).

وعندما يتجاوز الطفل سنته الأولى ويطلق لسانه بالكلام، فيتحوّل هذا الفعل إلى عامل سردي، فتشتدّ لديه قوة السرد والتعبيرعن ما يجول بخاطره من أمور, لا تحتاج عملية الإشهار عن طريق البكاء أو الصراخ، بل يستعاض عنها بالكلام الصريح، ونستنتج من ذلك أن الطفل المتمكّن من النطق حتى بأنصاف الكلمات، يستطيع أن يقوم بعملية السرد لقصة كاملة بعناصرها البنائية السردية لوالديه، و ما يحدث له من صراع وعراك مع زملاء طفولته في الشارع أو الروضة أو المدرسة في سنته الابتدائية الأولى، بكلمات وجمل مفيدة ومضبوطة بالنطق والسياق اللغوي، وتستطيع الأم أو الأب من خلالها إدراك ما يحدث، أمّا إذا كان في الثانية أو الثالثة وحتى السادسة من المرحلة الابتدائية يكون تعبيره السردي ناضجًا بسرد محبوك بهيكلية فنية وجمالية، دون أن يعرف شيئًا عن ماهية الهيكلية الأدبية أو البناء الأدبي الفني والجمالي للقص أو الروي.

أليس هذا نوع من الإشهار لتعبير الإنسان عن حاجاته إلى الكلام كبديل متقدّم عن البكاء والصراخ…!؟

وما أريد قوله، ليس لأحد من فضل في اكتشاف أو ابتكار عنصر واحد من عناصر البناء الفني للقص أو الروي في الحقل الأدبي, إلّا( العنوان) فهو من ابتكار الكاتب، و باستطاعة أي طفل في الخامسة أن يسرد قصة حدثت له في الروضة بمنطقية التعبير السردي العفوي من خلال العناصر الفنية التالية:

1-الزمكانية

2-الصراع أو التشابك السردي

3-العقدة

4-الانفراج أو الحل

5-النهاية

6- بحبكة معقولة وشخصيات

وهذا دليل بديهي على عفويّة البناء السردي الفني.

محاور التشابك السردي في النص الأدبي النثري

Description: ب_2 (1)

· نوضح الفرق بين النظرة الفلسفية والنظرة البحثية في السرد:

النظرة الفلسفية للسرد:

هو أن الصراع الدرامي هو جزء من ( التشابك السردي), هو المثلث السفلي الذي ينتهي بالعقدة.

أما البحثي:

فهو التعريف بالمصطلحات السردية (الزمكانية والصراع الدرامي, العقدة والانفراج والنهاية, الحبكة ضمنًا), وهو ما تحدّث عنه النقاد والمنظّرين فقط, دون أن ينتبهوا للمنظور الفلسفي.

يبدأ التشابك السردي من العنوان والاستهلال الذي يمثل قاعة مثلث الصراع في الأسفل يتعامد عليها في الوسط تمامًا (محور التوليد) الذي تتولّد عليه الأحداث بالتزامن مع الهجوم من قِبل طَرفَي الصراع: ( محور التكوين) الذي يحمل الشخصية المحورية والشخصيات المساعدة, و(محور المعارضة) الذي يحمل الشخصية أو الشخصيات المعارضة, تتجمّع الأفعال وردود الأفعال من صراع هذين المحورين على محور التوليد, فتتالى الأحداث وتتزاحم حتى تملأ مساحة المثلث السفلي, تتقارب باشتداد الصراع حتى تتلاقى المحاور الثلاث بالعقدة.

سؤال : لماذا كان محور التوليد بالوسط؟

الجواب: لأنه يجب أن يمر بالعقدة, والعقدة تقرّر انقلابه من صراع درامي توليدي إلى حل توليدي في المثلث العلوي.

سؤال: لماذا سمّيت ( العقدة)؟

الجواب: لأنه تعاقد فيها محورَي الصراع, محور التكوين ومحور المعارضة ب (اشتراك عقدي), واشترك فيها محور التوليد ب( اشتراك انقلابي).

إذن لا يجب أن نقول عن البناء الفني صراع درامي, لأن الصراع الدرامي انتهى بالعقدة, وبدأ بناء فني آخر, هو مثلث الحل الذي سنرصد فيه الانفراج والحل والنهاية, واختفاء شخصيات الصراع ما عدا الشخصية البطلة التي ستضع النهاية.

· ما هو الفرق بين البناء الفني والبناء الجمالي؟

البناء الجمالي:

له استرتيجية الصقل وتجميل البناء الفني, وله مجال كبير لا يُحدَّد, ينضوي فيه (السرد اللغوي –الأسلوب- الجمال- الحوار- البلاغة والبديع- الوصف- الصور) ولدينا نوعين من الجمال:

لماذا هناك نوعين من الجمال؟

1- الجمال اللغوي ( البيان والبديع).

2- وعلم الجمال : كل جملة في الأسلوب تؤشر باحتمالات مؤجلة بالمعنى نحو إيجابية الجمال.

الفرق بينهما بعلميّة المعنى, علم الجمال سيمانتيكي, والجمال اللغوي براغماتيكي ( لأن فيه الكناية والاستعارة) وهي تشير إلى معان مخبوءة.

البناء الجمالي يحيط بالبناء الفني ويسد ثغراته, فقد تكون القصة تقريرية, فكيف نسدّ هذه الثغرة؟

سؤال: هل يمكن أن يكون القص تقريري؟

الجواب: لا يمكن أن يخلو الأدب من التقرير, يبدأ تقريري ( بسرد حدث) ثم من التقرير ينطلق الأدب, وهنا يجب أن نحدد انطلاقة الأدب.

السؤال: متى ينطلق الأدب فنيًّا؟

الجواب: ينطلق الأدب فنيًّا بالمكونات الجمالية .

ماهي المكونات الجمالية؟

( السرد اللغوي –الأسلوب- الجمال- الحوار- البلاغة والبديع- الوصف- الصور) كما هو موضح في الشكل:

هنا لم نغطِ المحاور, أخذنا العمل الأساسي ببنائه الفني( التشابك السردي) ضمن شكل إهليلجي, محاطًا بالمكونات الجمالية ( السرد- الأسلوب- الجمال- الصور – البلاغة – الحوار)

Description: الوصف: ب7 (2)

التفريق بين فلسفة البناء السردي ( التشابك) وفلسفة البناء الجمالي( استراتيجية الصقل وإعادة البناء)

§ ما هو الفرق بين الأدب والصحافة؟

الصحافة: سرد تقريري إخباري مباشر بالكامل, لا يوجد فيه انزياح.

الأدب : سرد ينزاح نحو الخيال والرمز والجمال.

§ ما هو السرد, وماهو الأسلوب؟

-السرد : بأقرب تعاريفه إلى الأذهان هو الحكي والذي يقوم على دعامتين أساسيتين:

أولهما: أن يحتوي على قصة ما تضم أحداثًا معينة, قام بها أشخاص في مكان وزمان معين.

وثانيهما: أن يعين الطريقة التي تُحكى بها القصة، وتسمى هذه الطريقة سردًا، وهي الطريقة التي تتوالى الأحداث فيها في النص حتى تصل للمتلقي، وهذا مؤشر مهم في جماليّة النص، يعكس حرفنة ومهارة وإبداع النصّاص, أي استراتيجيته.

الأسلوب: وهو النسيج السردي الذي يشير نحو درجة الأدب وعمقه السردي وذلك بدرجة انزياحه نحو الخيال والرمز..

§ ماهو الفرق بين الأسلوب والسرد؟

كالفرق بين العلم والأدب:

فالسرد: علم يشمل البنائين الفني والجمالي, أي يشمل كل عناصر الروي والقص – بما فيها الأسلوب- لذلك يُعتبر السرد علمًا قائمًا بذاته, ولم يقتصر على الأدب فقط, فالسرد تشتمل عليه كل المناهج الدراسية ( التاريخ والجغرافية ووووو وحتى المناهج العلمية).

أما الأسلوب فهو ليس علم لأن فيه انزياح.

السرد: علمي

الأسلوب: أدبي

والأسلوب يضع الإسفين بين الأسلوب العلمي ( الذي تكتب به الأبحاث العلمية) والأسلوب الأدبي المنزاح نحو الخيال والرمز والجمال( الذي تكتب به الأجناس الأدبية)

علينا أن نميز بين مفهومين رئيسيين ونحن نتحدث عن الأسلوب الذي ينتهجه الكاتب في كتابة نصوصه, هما :

الاستراتيجية : وهي طريقة الكاتب في الكتابة,أي طريقته في السرد, التي تحدد لنا درجة إتقانه لاستخدام أدوات الكتابة بحرفنة, بمعنى أنها مدى حرفية الكاتب ومهارته في استخدام أدوات الكتابة, وهي تخص السرد.

أما التكنيك: هو طريقة اختيار الأديب لأدواته بالشكل الذي يميّزه عن غيره, ويحكم له بالتفرّد في صياغة أفكاره والتعبير عنها, كإمضاء أصبع الإبهام ( بصمة).

وعلى ذلك يختلف السرد عن الأسلوب بأن السرد مجموعة استراتيجيات, بينما الأسلوب مجموعة تقنيات. لذلك دخلت العصرنة في الأسلوب أكثر من السرد, لأن السرد تحدده العفوية السردية, والأسلوب تحدده المعرفة العلمية بالعصرنة ( بالمدارس).

الأسلوب كلّما تعقّد بالمدارس كلما كان عميقًا فإن:

حوى خلفية أخلاقية ___يدخل بمدرسة الفن للمجتمع

أبدى جمالًا________ يدخل بمدرسة الفن للفن

أبدى رومانسية_____ يدخل المدرسة الرومانسية

أبدى فلسفة_______ يدخل المدرسة الفلسفية

§ هل الأسلوب جزء من السرد أم السرد جزء من الأسلوب؟

الأسلوب هو جزء من السرد

§ من منهما يقرّر الأدب؟

الأسلوب, لأنه به الانزياحات.

§ إذا كان السرد عامًا, والأسلوب جزءًا منه, ماهي الحالة السحرية في الأسلوب؟ وهل الأسلوب ثابت أم متدرّج نسبيًّا؟

الأسلوب ليس ثابتًا وإنما متدرّجًا نسبيًّا, يبدأ -كما أقرّته الذرائعية- بالأسلوب المباشر -وأقواه السهل الممتنع- ثم الواقعي, ثم الرمزي, فالعميق, يخرج عن هذه الأساليب السريالية لأنه ذرائعيًّا ليس مسندًا للمجتمع.

فالأسلوب تكنيك خاص بالكاتب يشبه إمضاء الإبهام ( البصمة), لا يتشابه فيه اثنان. والأسلوب كما قلنا تحدده معرفة الكاتب العلمية بالعصرنة عن طريق استخدام المدارس الأدبية, فكلما زادت معرفة الكاتب بإخضاع المدارس الأدبية لقلمه كتقنيات أسلوبية, كلما زادت درجة عمق أسلوبه الأدبي.

مثال:

الكلاسيكيون: يستخدمون مدرسة واحدة بالوصف, إمّا الطبيعية أو الرومانسية.

أما في عصرنا الحاضر, فيبرع بعض الكتّاب باستخدام مزيج من المدارس الأسلوبية إلى حدّ الفانتازيا كما وجدنا عند الدكتور شريف عابدين في روايته زالاتيا وكذلك أسرار شهريار والكثير من قصصه القصيرة.

وأعرف أديبًا يستخدم البرناسة والفن للفن والرمزية والطبيعية والتجريدية بخلطة واحدة, فتكون جمله مدروسة دراسة دقيقة تميّزه عن بقية الكتّاب, وهذا سرّ سحري يُدعى ب(المعاصرة الأدبية), وهي التي يمتاز بها كتّابنا البارعين في الوقت الحاضر, يسمى (أسلوب الخطف) لجمالية الجملة ووحدتها اللغوية.

§ كيف نجرّد الجمل في الأسلوب( التجريدي) Abstract؟

نكتب الأدب للأدب دون ذكر عناصر بناء فني, بل يُفهم البناء الفني من خلال الصور اللغوية في الأسلوب.

§ كيف نحسب درجة الرمزية في الأسلوب ؟

تتدرج المدارس في الأسلوب من الواقعية حتى السريالية, والواقعية أنواع ( الكلاسيكية – التقريرية – الصحفية – السهل الممتنع- الطبيعية- الرومانسية) مصحوبة بالغموض, عندما تزداد درجة الغموض فيها تتجه نحو الرمزية, حتى تغمض عينيها عند السريالية, فيبدأ الظلام أي الغموض الكلي, لذلك الذرائعية تخرج السريالية عن المدارس, لأنه لا فائدة فيها غير التحليق الفارغ, حسب المبدأ الذرائعي ( الأدب عرّاب للمجتمع), ويعبّر عنها السرياليون والدادائيون بأنها إناء الظلام, تكون موجوداتها كموجودات ضوء النهار.

غموض____ غموض_____

الواقعية_____________ الرمزية_______________السريالية

§ ما الفرق بين الرمزية والسريالية؟

في الرمزية يترك الكاتب على الأقل مفتاحًا يفتح غموض النص, أمّا في السريالية فتوهان في الظلام, حيث يقذف السرياليون حجرًا في الظلام فإن أصاب الحجر أحدًا, ربما صرخ أو أصدر صوتًا, فيقولون إن الظلام كالنهار!

§ ما الفرق بين الرمز والقرين؟ وما هي الرمزية المغلقة؟

في حالة النص المغلق, يكتب الكاتب برموز خارجة عن الواقعية ( غموض), فيسمى ب (الرمزية المغلقة), هو لم يقترب من الواقعية ولا السريالية, وقف بينهما, فحين يريد أن يفتحَ النص يذكرُ قرينًا.

مثال: كاتب يتحدّث عن مخلوقات لم يحدّد نوعها, عندما لم نفهم شيئًا, ثمّ ذكر كلمة ( بيطري), فكلمة (بيطري) هي قرين فتح النصَّ المغلق بكلمة واحدة تعرّفنا أنه يقصد حيوانات, وعندما يذكر قرينًا آخر يفتح النص أكثر وهكذا …

§ أين يبدأ سلّم المدارس الأدبية وأين ينتهي؟

يبدأ بالواقعية بأنواعها, ثم الرمزية – العميق ( منزاح نحو الخيال والرمز), وينتهي بالسريالية.

§ لماذا خرجت الرومانسية عن سلّم المدارس وأصبحت لوحدها؟

لأن سلم المدارس ابتدأ بالواقعية وانتهى بالسريالية, والرومانسية تدخل في كل شيء, لأن درجة الانزياح فيها كبيرة باتجاه الخيال والجمال, والحياة كلها مبنية على الثنائيات الرومانسية ( ذكر وأنثى)و ولا يمكن أن نتصور عمل سردي خالٍ من قصة حب.

#دعبيرخالديحيي

 

شاهد أيضاً

من هم البهائيون وأين كانت بدايتهم

منبر العراق الحر : بدأ اتباع الديانة البهائية، في الثاني من اذار الجاري، الصيام الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.