الرئيسية / تقارير وتحقيقات / حكایات أقطاب اللغة خطفًا: المبرد، ثعلب، ابن السكیت … كریم مرزة الأسدي

حكایات أقطاب اللغة خطفًا: المبرد، ثعلب، ابن السكیت … كریم مرزة الأسدي

منبر العراق الحر :

ُ وباقي نصفه فسیخرب

من الآداب ُ أصبح نصفه***خرباً
ٌ بیت ِ
ْ وانقضت ُ أیامه ِ ** ومع المبرد ُ سوف یذهب ثعلب
ُ
َ مات ُ المبرد
ُ وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظـــه ُ *** إذ كانت الألفاظ فیمــا تكتب
لا نرید الخوض في المسائل النحویة، والخلاف الدقیق بین المدرستین، وإبداء وجهة نظرنا الخاصة فیما دهبوا إلیه أصحابهما،
وفلسفة التوجهات الخلافیة والتوافقیة بینهما تركناها لكتابي ( نشأة النحو العربي ومسیرته الكوفیة / مقارنة بین النحو البصري والنحو
الكوفي) مع وجهة نظرنا ورأینا والترجیح المأمول ما في عقلنا حول العقول؛ وإنما الآن كعادتنا في بقیة الحلقات نروم إلقاء نظرة على
جهود عباقرة العرب وأفذاذهم وتفانیهم في سبیل إعلاء رفعة لغتنا الجمیلة، لأن اللغة هي وجه الأمة المعبر عن حضارتها وثقافتها
وشموخها! فالموضوع ثقافي بنفحات علمیة نحویة لكي لا یتجشم العناء القارئ الكریم، وبتصرف غیر قلیل .
ِّ لما عاد المازني شیخ البصریین بعد أن سأله الخلیفة الواثق عن سر ً (رجلا) في غناء جاریته، ظهر شیخ الكوفیین أبو یوسف یعقوب بن
إسحاق الملقب (ابن السكیت ) ، كان معلماً للصبیان في قریة (دورق) بخوزستان، ویرجح بروكلمان أنه آرامي الأصل، والرجل درس
ّ على الفراء، وأبي عمرو الشیباني، وابن الأعرابي من الكوفیین، كما أخذ عن الأصمعي وابن عبید الأترم من البصریي، وألتقط اللغة
من أفواه الأعراب (1 .(وكانت مصنفاته الكثیرة مضرب المثل في الجودة والإتقان والثقة، وقیل ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة
مثل (إصلاح المنطق)، وعرف عنه إمام بنحو الكوفیین، وعلم القرآن واللغة والشعر، راویة ثقة ، وقد عدو علم الكوفیین منتهیاً إلیه
وإلى ثعلب(2 ،(وقال عنه ثعلب :
” أجمع أصحابنا أنه لم یكن بعد ابن الإعرابي أعلم باللغة من ابن السكیت ” (3 ،(وكان المتوكل قد ألزمه تأدیب ولده المعتز باالله، وبعد
تأدیب هذا غدر به المتوكل وقتله على سبب لا یعقله عاقل، وتناقله المؤرخون؛ إذ أمره ” بشتم رجل من قریش، فلم یفعل، وأمر
القرشي أن ینال منه، فنال منه، وأجابه یعقوب.
فلما أجابه، قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل، فلم تفعل؛ فلما شتمك فعلت، وأمر بضربه، فحمل من عنده صریعاً مقتولاً (244 هـ / 858
م)، ووجه المتوكل من الغد إلى بني یعقوب عشرة آلاف درهم دیته”(4 ،(هذا هو قضاء وقدر ابن السكیت أمام المتوكل.
ً لماذا یشتم رجلا لم یشتمه؟!
ّ وما الحكمة في هذا الشتم المبتذل ؟! لولا الأمر دبر بلیل – إن صحت روایة ابن الأنباري الكبیر! – ولما نال هذا القرشي منه، من
ّ المروءة أن یرد علیه؛ بل یرد الصاع صاعین، لإمتناع ابن السكیت عن سبه أولاً، ولرد الشتیمة بالمثل ثانیاً، فما بال المتوكل یقتله
صریعاً، وهو الذي أمره بتأدیب (معتزه)، وأین…. وما جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟! وعلم ذلك وحسابه عند ربك، وهنالك روایة أخرى
ینقلها (السیوطي) في ( بغیة وعاته) (5 ،(عكفنا عن نقلها لما تتضمن من دوافع طائفیة، لا تصلح في هذا العصر المفترض أن نكون
أكثر وعیاً وإنسانیة – إن صحت الروایة أیضاً – .
والحقیقة منذ عهد الواثق وقدوم المازني إلى بغداد كما ذكرنا، أحدث تحولاً هاماً في تاریخ المدرستین من حیث التنافس على بغداد
وقصورها، وتحقیق الأمتیازات، فقد بدأت الكفة تمیل الآن إلى جهة البصریین، وأصبحت ثقة بغداد تزداد بهم على حساب الكوفیین،
وخصوصاً بعد وفاة ابن الإعرابي (231 هـ / 846م )، ومقتل ابن السكیت؛ إذ أخذ الخلفاء یستدعون البصریین للتحكیم في المسائل
النحویة واللغویة، وممن استدعي (المبرد) البصري إلى (سر من رأى) سامراء حیث مقر الخلافة حین ذاك، ثم إلى بغداد من قبل صاحب
یتمعن
َ شرطتها، ولكن اقتراب المازني في أرائه من الكوفیین، واقترب الكوفیون أیضاَ منه لكثرة مادار من مناظرات جعلت كلّ فریقٍ
ویتبصر ویعید النظر في آراء الفریق الآخر (6. (
……………………………………………………………
والمبرد هوأبو العباس محمد بن یزید ینتهي نسبه إلى الأزد من ثمالة (211 هـ – 285 هـ / 826 – 898م )، إمام البصریین في
وأخذ عن أبي عثمان الجاحظ،، وأبي حاتم السجستاني، وحضر مجالسه. عصره، تلمیذ أبي عثمان المازني
ونهل من علمه كبار علماء النحو واللغة والأدب، أمثال الزجاج والصولي ونفطویه وابن السراج والأخفش الأصغر وأبي الطیب الوشاء
وابن المعتز العباسي وغیرهم.
تنافس هو وثعلب إمام الكوفیین الآتي ذكره في عصرهما، وقد سئل النحوي الشهیر (أبو بكر بن السراج )، صاحب كتاب (الأصول في
النحو)، أیهما أعلم المبرد أم ثعلب؟ فأجاب : ” ما أقول في رجلین العالم بینهما .” (7(
وللمبرد عدة مؤلفات أشهرها : ( الكامل في اللغة والأدب)، وهو من أشهر كتب أدب العرب على مدى تاریخهم، عدد مجلداته وصلت
ثمانیة في بعض الطبعات، مدحه ابن الرومي بقصیدة طویلة (98 (بیتاً :
ً أضحت الأزد وأضحى بینها *** جبلا ٌ وهي رعان وریود
ویمیناً إنك المرء الذي *** *حبه عندي سواء والسجود

والبحتري الأشهر في عصره والمتنفذ – وهو طبعاً من معاصریهما – داعیا لأخذ العلم منه، فهوالكوكب المسعود:
ُ نال ما نال الأمیر ُ محمد *** إلا بی ِ من محمـد بـــــن یزیــد
ٌ أنجم ُ مسعودة** فعلیك ضوء ِ الكوكب المسعود
وبنو ثمالةَ
ّ واضح (محمد بن یزید)، وهو من ثمالة، یعني به المبرد، ولابد أنه كان یدرس الكثیر من أبناء الملوك.
ٍ وأكرر مرة أخرى هذا المبرد الكبیر هو الذي قبل ید دعبل، ونقل عنه روایة رائعة، باعتراف ابن المعتز العباسي؛ وهو أیضا ابن خلیفة
وشاعر وناقد كبیر عاصرهما .
………………………………………………………………………..
وكان (ثعلب ) الكوفي موازیاً للمبرد في العلم والشهرة والمكانة، ثعلب أیضاً كنیته أبو العباس، وهو أحمد بن یحیى بن زید بن سیار
الشیباني إمام الكوفیین في النحو واللغة ( 200 هـ – 291هـ /815م – 903م)، ولد في بغداد ونشأ وتوفي فیها إبان خلافة المكتفي؛
ولكن مدرسته النحویة كوفیة خالصة، والدكتور المخزومي یقول : “أبو العباس أحمد بن یحیى ثعلب ثالث ثلاثة قامت على أعمالم
مدرسة الكوفة النحویة، وهو بغدادي المولد والمنشأ، وكان شیبانیاً بالولاء ” (8 ،(أما الآخران فهما الكسائي والفراء، وأخذ ثعلب
عن محمد بن زیاد الإعرابي، وعلي بن المغیرة الأثرم، ومسلمة بن عاصم، ومحمد بن سلام الجمحي وغیرهم.
وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سلیمان (الأخفش الأصغر)، وابن عرفة وابن الأنباري، وكان ثعلب ثقة دیناً مشهوراً بصدق اللهجة
والمعرفة بالغریب، وروایة الشعر، قال عنه المبرد “أعلم الكوفیین ثعلب ” (9 ،(مقدماً على الشیوخ وهو حدث، وعلى ما یبدو مما
ذكر تستشف، إنه غیر میال للمناقشة والتحاور والمجادلة مع المبرد؛ ولكنه خطیب في المحاضرات بشكل عجیب، ربما بدیهته،
وكثرة معلوماته، لا تساعدانه على الرد السریع؛ ولكنه سریع الحفظ ، خطیب من الطراز الأول، فهو یصلح للمحاضرات، لا الأخذ والرد
السریع – واالله أعلم- .
ّ ةیحدث التاریخ : إن أبا جعفر أحمد ابن إسحاق البهلولي القاضي الأنباري و أخاه البهلول ” دخلا مدینة السلام في سنة خمس
ً وخمسین و مائتین، فدارا على الخلق یوم الجمعة، فوقفا على حلقة فیها رجل یتلهب ذكاء، ویجیب على كلّ ما یسأل عنه من مسائل
القرآن والنحو والغریب وابیات المعاني، فقلنا من هذا ؟ فقالوا : أحمد بن یحیى ثعلب .” (10(
ً كان ثعلب یتلهب ذكاء؛ ولما مات المبرد، وقد أوردنا سنة وفاته قبل ثعلب، وقف رجل في حلقة ثعلب وأنشد :
إذاً

ُ وباقي نصفه فسیخرب

من الآداب ُ أصبح نصفه***خرباً
ٌ بیت ِ
ْ وانقضت ُ أیامه ِ ** ومع المبرد ُ سوف یذهب ثعلب
ُ
َ مات ُ المبرد
ُ وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظه ُ *** إذ كانت الألفاظ فیمــا تكتب (11(
یتبین مدى أهمیة اللغة إبان تطور الحضارة العربیة، وعندما تزدهر الأمة تزدهر في جمیع أتجاهاتها، ثم ركز على عجز البیت الثاني
والتمییز بین الكلام المكتوب ولفظ الكلام المنطوق حیث یتجسد غفى هیئة نبرات وموجات وترددات وتعبیرات وإشارات وانفعالات،
فالحق مع الشاعر؛ إذ یقول (إذ كانت الألفاظ فیما تكتب).
بالرغم من قوة حفظه المشهور – وأقصد ثعلباً- كان یأخذ الكلام على عدة وجوه، بارعاً في التعلیل یذكر بلسانه :” كنت أصیر إلى

ُرئ علیه :
الریاشي لأسمع منه، فقال لي یوماً، وقد قـ

ّي
ٌ عامین صغیر سنـ

ُ ما تنقم ُ الحرب العوان مني***بازلُ

ُ ؟ فقلت : أتقول لي هذا قي العربیة؟ إنما أقصدك لغیر هذا، یروى بالرفع على الآستئناف، والنصب على الحال،

كیف تقول: بازلُ أو بازلَ
والخفض على الأتباع فأستحیا وأمسك ” (12. (
وهذه الحادثة التي وقعت بین ثعلب الكوفي مدرسة، والریاشي البصري سبقت سنة (259 هـ / 871م)؛ لأن أبا القضل عباس الریاش،
وكان أسود قتل في ثورة الزنج في السنة المذكورة سابقاً، وهو من جذام ، له ( كتاب الخیل) و (كتاب الأبل)، وهذا (ثعلب) كان مقتراً
على نفسه، فجمع ثروة، وله عدة مؤلفات : المصون في النحو، معاني القرآن، اختلاف النحویین، معاني الشعر ….نكتفي بهذا القدر
الذي یعفیك من الضجر، ویریحني من السهر، والله من قبل ومن بعد الأمر !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر بلا أرقام الصفحات.
(1 (راجع (نزهة الألباء ..) : ص، و (مراتب النحویین): ص، و (وفیات الأعیان) : ج2 ص (بولاق )، (الدراسات اللغویة…) د.
محمد حسین آل یاسین ( مكتبة الحیاة – 1980م – بیروت) كلها م . س من كتابنا ( نشأة النحو العربي ومسیرته الكوفیة / مقارنة بین
النحو البصري والنحو الكوفي) .
(2 (راجع (آل یاسین) : المصدر السابق.
(3) (مراتب النحویین) : المصدر السابق.
(4 ) (نزهة الألباء) : ص م , س .
(5) (بغیة الوعاة ) :السیوطي عبد الرحمن مطبعة عیسى الحلبي 1965م – القاهرة .
(6)(المدرسة البغدادیة ) : ص م . س.
(7 ) (إنباه الرواة)ج1 ص م . م .

(8) (مدرسة الكوفة ..) : د. مهدي المخزومي ط2 – 1958 – ط 2 – مصر.
(9) (نزهة الألباء) : ص م. س .
(10) (طبقات النحویین واللغویین) : ص م. س . ترجمة محمد بن قادم.
(11) (إنباه الرواة) : ج 1 ص م . س.
(12) (بغیة الوعاة) : ج 1 م. س.

شاهد أيضاً

من هم البهائيون وأين كانت بدايتهم

منبر العراق الحر : بدأ اتباع الديانة البهائية، في الثاني من اذار الجاري، الصيام الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.