الرئيسية / ثقافة وادب / الكوكب ….صالح جبار خلفاوي

الكوكب ….صالح جبار خلفاوي

منبر العراق الحر :

أنه يترنح ثمة ضوء يخفت بهدوء القفار الممتدة على مدى البصر تتقلص كل شيء ماض الى الزوال . هو أخر سكان هذا النجم ينتظر الرحلة الأخيرة نحو كويكب يحوي ما تبقى من جنس على شاكلته .
القلق برعم ينمو داخله بتوتر واضح وأسئلة تثير شجونه تتصاعد داخله :
– هل من فرصة للنجاة ؟
السماء التي كانت تزهو بالنجوم تبدو معتمة . لا نسيم يمر والنهر الذي ظنه خالدا أنطمس في ركام الحجر وغمرته سيول جارفة.
– لا بد ستأتي العربة لتنهي هذا الضجر
الوقت يجري ولا أمل يلوح .. أقشعر بدنه . من بعيد أشارات ضوء ينطفئ ويشتعل . سرت في نفسه راحة متيقنة أنهم لن يتركوه في جدب العراء يمضغ أعصابه وذكرياته.
حتما أخر من يبقى عليه أن يلملم ألأشياء المتروكة . تطلع الى عكازه جده لاحظ ما بين المقبض والعصا غراء يشدّهما بعناية . بقيت الصورة معلقة في ذهنه ..
الاسبوع الفائت مرت خواطر كثيرة في ذهنه . لا يذكر شيئا منها الان لكن هاجسا ظل يراوده في تغيير نمط علاقاته خصوصا مع الجيران الذين شكلوا داخله أزمة تمنى تجاوزها .
الأمور المتسارعة لم تترك له وقتا في التفكير بالتخلص من صديقه القديم لأن زحف الانهيار كان اسرع مما أصر عليه .
ها هو الان يقف وحيدا ورحل الجميع .. يتذكر دائما قول والدته :
– جنة ليس بها بشر لا أريدها ..
– تقصدين العلاقات الانسانية أهم من مزايا الجنة
راح يحدث نفسه : وحدك في هذا الكوكب انقرض احبتك وأصدقاءك منهم من لجأ الى كواكب بعيدة تنتظر ان يقلوك معهم ترى ما نوع البؤس الذي يحيط بك .
يا الله ما هذا الضجر .. من يرفعني من هذا البلاء . لم تعد لي رغبة في البقاء وحيدا . كم بقي ادم حين هبط الى الارض يفتش عن حواء . لم يطق أبونا أدم المكوث فردا . لو لم يعثر عليها كيف كان نوع الحياة ! أصوات تأتي من بعيد تستفز الادمي المنزوي داخله . تختلط الصيحات بقي يصيخ السمع علّه يعثر على أدمي أخر يشاطره الوجود .. راح يمارس الادعية التي حفظها علّها تستجاب وتكون لحظة انفراج. هذه الدنيا يرتديها البعض كقميص يرفض خلعه . أو رداء يحمل ريح صاحبه . ربما فكرة تراود حلما لا يتحقق . بشارات أشارات بأن القادم أعظم لا يمكن تحمله . دشنًّوا عليه أقاويلهم ورحلوا .
السماء الواسعة ترسم ملامح انقضاء المدة . لابد من مفازة جديدة . أحس بعجزه لأنها خيار لا يمكن أن يصله .. فقد مضى زمن بعيد لأخر رحلة من جنس الآدميين ..
سقط في يديه لم تعد له فرصة في النجاة . اشرقت الشمس من جهة المغرب عكس عادتها همس داخله علامات الساعة حضرت بوضوح ..
الطيور تغرد على اغصان الاشجار المهملة والبنايات استحالت خرائب لا يقطنها احد . مازالت الحياة تنبض بخفوت . لم تركوا الأرض ؟ تسائل بحرقة وحسرة ندت عنها دمعة ساخنة .
الحيوانات والهوام تتمتع بحرية واسعة . لم يعد يدجنّها الانسان الذي عبث في التراب والهواء حتى ضاقت عليهم الامر بما رحبت .فيما هو يسرح وسطها بتعبير مريح وكأنه يستعيد أنسانيته المفقودة .

شاهد أيضاً

أين أنتم ياأبناءَ النورِ ؟! مرام عطية

منبر العراق الحر : اشتدَّت ملوحةُ النهاراتِ في موائدِ الفقراءِ ،طعمُ الفرحِ صارَ علقماً ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.