الرئيسية / ثقافة وادب / حلم حياتي …نهى الصراف

حلم حياتي …نهى الصراف

منبر العراق الحر :

حلم حياتي كان.. أن أسكن بيتاً ثابتاً .. راسخاً في الأرض وبدون عجلات، فتقلبات الطقس تخيفني أنا الهاربة من شمس آب اللهاب الجنوبية.. إلى عواصف الشمال وأمطاره وصقيعه.
البيت بدأ حلماً.. ثم صار هاجساً.. حتى تكور على نفسه مثل جسد قنفذ خائف.. فصار يأتيني كوابيساً متتابعة، مرة بصحبة قافلة من الأحلام المهدورة.. مرة وحيداً وبلا نوافذ.. ومرة على شكل فأس على رأس شجرة نصف مقطوعة.
فجر هذا اليوم.. حلمت بمنزلي الحالي وكأنه تحول إلى قاطرة تشبه كرفان عملاق وغادر سكته بفعل فاعل.. قيل بأن البنك حجز عليه لعدم سداد القسط المتبقي..
عجباً !
فأنا مجرد زائرة مؤقتة في هذا المنزل الذي أسكنه منذ ثلاثة أعوام وكان المنزل رقم ستة في لندن ، حيث أقيم منذ عقدين.. لم أفكر في امتلاكه وسيأتي اليوم الذي أغادره فيه من دون رجعة.. لأبحث عن سكن مؤقت آخر.
عدا أنني أكره التعامل مع البنوك منذ اليوم الذي شاهدت فيه مخلوقات بشعة بوجوه مجعدة ودم بارد.. تعمل في بنك أودع فيه (هاري بوتر) نقوده في الشارع الذي وصله عن طريق المحطة رقم 9 ونصف!
كم هذا بشع.. نصف محطة؟
……………
مع ذلك.. أخبرني صوت الراوي العالم في الحلم بأنني لو لم أفعل.. لو لم أغادر في نزهة قصيرة عصر ذلك اليوم.. لما استطاع مندوب البنك الحضور مع مساعديه وفك سلسلة ارتباط المنزل بالسكة الحديد التي كان يستقر عليها.. كما يفك مزارع رقبة حيوان ليحرره.. !

عندما عدت إلى المنزل بصحبة زوجي وابنتي.. لم أجد الجدران ولا النوافذ.. فقط كانت هناك حقيبة ملابس حاولت فتح قفلها لكنها لم تستجب، ثم بقيت أصابعي مشتبكة مع مقبض الحقيبة وأنا أتطلع بحزن إلى الأطلال.
قالوا لزوجي: “عليك متابعة خط سير المنزل عبر البلاد.. تراااك يور هاوس” !
أخبرهم على عجالة: “ولكني لا أملك الرمز”

– ” لا يهم..” أجابه أحدهم على الطرف الآخر من الهاتف. ” ستجد خط السير على شاشة هاتفك الجوال .. تأكد فقط أن تكون بصمتك أنت على الهاتف” !

……
جلسنا نحن الثلاثة.. أنا وزوجي وابنتي.. على الحقيبة المقفولة التي ضاع مفتاحها ورحنا نتابع خط سير منزلنا عبر البلاد، كان قد قطع مسافة طويلة على السكة الحديد الخاصة بالمنازل .. بيسر وسرعة كبيرتين وكأنه يتزحلق على الجليد. مرّ في قرى صغيرة جداً وغريبة.. بناياتها مصنوعة من أحجار ملونة وحلوى، تماماً مثل تلك القصور التي رأيتها في ديزني لاند.. مبهجة وتغط في الألوان.. لكنها صغيرة الحجم لا تدخلها سوى أميرات الحكايات.
الآن، بقيت مسافة قليلة حتى يتوقف المنزل في نقطة النهاية.. هناك .. في أقصى الشمال.. على بعد 800 ميل .
….
سرى تيار بارد في أحشائي.. وانتقل بفعل الصدمة وضيق التنفس إلى قلبي مباشرة.
قلت لزوجي: “ماذا سنفعل؟”

قال لي وكأنه يعمل مساعد آخر في خدمة رجال البنك: “هذه هي قوانين البلاد.. يجب عليك أن لا تغادري المنزل حتى في نزهة قصيرة. وإلا، استولى عليه البنك”.

أجبته بهدوء بعد أن أكل البرد قلبي : “قلت لك مراراً .. أنا لم اقترض من البنك.. لكن.. ااآ.. مهلاً، هذا المنزل.. ذاك الذي تزحلق.. هل كان سيصبح ملكنا”؟

-لا طبعاً.. لكن كان علينا تنفيذ شروطهم.. لماذا خرجنا في نزهة؟ .. انت السبب !”
التفتت ابنتي إلينا بغضب .. زمجرت وهي تقول : ” ششش ش .. انظروا .. آي كانت بليف إت.. لا أستطيع تصديق ذلك.. لقد وصل منزلنا إلى سكوتلاند”!

لم أصدق ما كنت أراه، حتى بعد أن سمعت زوجي وهو يقول معترضاً:
“أوووووو ه .. هذه مسافة كبيرة.. كيف سأسحبه إلى لندن ثانية؟”
“وماذا سنفعل بقسط البنك؟”
“المهم أن نسترجع المنزل.. لنحصل على أغراضنا.. ونستأجر منزلاً آخر”
“هل كان سيكون ملكاً لنا.. لو لم نذهب إلى هذه النزهة اليوم.. ؟” قلت بنفاد صبر
أقفل زوجي شاشة هاتفه الجوال وهو يطلق ضحكة مجلجلة وينظر إلى ابنتي غير مصدق:
“أعدك.. المنزل الأخير الذي سنسكنه.. لن يكون بوسعنا أن نغادره.. سيكون ملكنا للأبد”!

………..
** نهى الصراف

شاهد أيضاً

كي نورثَ الفرَحَ للأرض! الكاتبة ريم شطيح

منبر العراق الحر : قال لي: في عَينيكِ صهيلُ خيولٍ قادمٌ من القُرونِ الوسطى يا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.