الرئيسية / ثقافة وادب / عصافيرُ الحقِّ ….مازالتْ مطاردةً ____ مرام عطية

عصافيرُ الحقِّ ….مازالتْ مطاردةً ____ مرام عطية

منبر العراق الحر :

عاش جدِّي جلَّ حياتهُ في كفاحٍ دؤوبٍ لتحريرِ السَّنابلِ من زؤوانِ اللئامِ

و إغاثةِ العشبِ الطريِّ من سياطِ الريحِ ،لم يكنْ يعلمُ أنَّ قطارَ العمر

سريعٌ جداً ، و أنَّ محطاتهِ بعيدةٌ كجزيرةٍ وسطَ المحيطاتِ ، لذلكَ كان

يركب فرسهُ الأصيلَ ليلحقَ بهِ ، و يمنِّي نفسهُ بالأحلامِ الورديةِ ، ثمَّ

يعودُ مثلَ كلِّ المناضلين لنصرة الجمالِ والحقِّ حزيناً بائساً كجنديٍّ

مهزومٍ يجرجرُ أثمالَ الخيبةِ والخذلان .
كثيراً مارأيتهُ يطاردُ أسرابَ الظلامِ لينتصرَ ابن الضياءِ
يلاحقُ الجناةَ والطامعين برغيف الفقراءِ و قنصِ اللحظاتِ السعيدةِ من

عيون الأطفالِ

كان شهماً نبيلاً يأبى الإهانةِ في الحقِّ ينقضُّ كالنسرِ على عدوه إذا

أكلَ يوما حقهُ ،أو استخفَّ بإنسانيتهِ أحدٌ
فحين ضمَّ جارهُ الطريقَ الرئيسَ بينهما إلى دارهِ طمعاً وجشعاً لامتلاكِ

بعضِ أمتارٍ زيادةً على مساحةِ بيتهِ هجمَ كلبوةٍ هُدِّدَ صغارها ، وثار

طالباً من أحفادهِ مساعدتهُ في هدمِ الحائطِ الجديدِ الذي صنعهُ الجارُ .
كانت الطفلةُ في صدري تتألَّمُ لضياعِ عقدِ السلامِ مع جيراننا في بئرِ

الجهلِ والأنانيةِ ، و تجهشُ لانقطاعِ حبلِ الوفاءِ وصرمِ المودةِ بين

الأحبةِ .
أمَّا القدر فيضحكُ أمامي ولايبوحُ بالسرِّ ، كان جدي لايرى دموعنا

وهي تسابقُ أيدينا إلى تنفيذ ماطلبَه منها
فتروي الأرض من سواقي ضلوعنا ودماءِ شراييننا
ياللحزنِ !!! زهد جدي بكلِّ أحلامهِ بعد وفاةِ جاره الخصمِ ، صارَ

صدرهُ مرتعاً لطيورِ الندمِ والحزنِ ، يلاحق فراشاتِ السعادةِ ، يغريها

بالبرقوقِ والإجاصِ و هي تهربُ إلى بلادٍ قصيةٍ ، يركبُ فرسَهُ العتيدَ

فلا يستطيعُ اللحاقَ بها
رحل الجارانِ إلى الدارِ الآخرةِ وبقي الطريقُ الهدفُ حزيناً منسياً

كورقةٍ صفراءَ درسها الخريفُ
سافر الأبناءُ والاحفادُ إلى بلادٍ قصيةٍ، مع مراكبِ الحبورِ وبقيت مرابعُ

الطفولةِ أطلالاً دارسةً ودمناً بائسةً تخبرانِ عن أحلام خضراءَ أحرقها

صقيعُ الطمعِ و نارُ الغيرةِ
ولم يبقَ من خمائل الطفولةِ إلاَّ أشجارِ الزيتونِ والتينِ تلوُّح مع رفِّ

السنونو لصورِ الأحبةِ وتحرس في صدورنا الذكرياتِ .
لاتحزن ياجدي اذ عدتَ خاسراً من معركةِ الجمالِ، فعصافير الحقِّ

وحمائمُ الحبِّ مازالت مطاردةً حتى الآن ، لقدْ أدركتُ مثلكَ متأخرةً أنَّ

ذاك الطريقَ الذي خاصمت روحكَ من أجلهِ لم يكن طريقَ السكينةِ

والراحةِ ، فأولُ خطوة في طريقِ السعادةِ هو تنظيفُ القلبِ من أدران

الحسدِ والطمعِ ، و أنَّ الغنى هو غنى الروحِ بثمارِ المحبةِ و أزهارِ

التواضعِ .

_______________
مرام عطية

شاهد أيضاً

‬أتذكر حبيبي ——–امتثال محمد

منبر العراق الحر : أتذكر حبيبي حديقة طفولتنا كنا صغيرين معا.. زرعناها بأجمل اللحظات أقمارا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.