الرئيسية / ثقافة وادب / قصة فصيرة ….ريم شطيح

قصة فصيرة ….ريم شطيح

منبر العراق الحر :

كان يتنهّد بين الكلمة والأخرى، وينفخ دخان سيكارته .. ويكتب ..
يقول إنه بخير، وإن لا بد من العثرات حتى يأتي النور!
يخبرها بكل التفاصيل وهو يمشي في شوارع الموت، ينظر في وجوه المارة ويقول لنفسه “ما أجملكم، يا فقراء بلادي، فلكم ملكوت السماوات”.
على الأقل كما في الكتب و وعود الأنبياء!

قال لن أذهب إلى مكان؛ هنا أنا باقي وسأموت هنا. لا تَجزعي، أنا أستمتع بهذا العذاب؛ هي متعة أن يجوع الإنسان بعد شبع، ويبرد ويبرد باحثاً عن زاوية ٍدافئة في مكان ٍما في هذه العاصفة!!
هي متعة أن تلمسي أحاسيس الناس والفقراء و هم في هذه المعاناة!!
وصرخ قائلاً، نعم في كل المعاناة .. على الأقل هم لا يصرخون ويبكون كما كنّا في المعتقل، هذا أرحم، محطة الوقود قد تكون أرحم! لا لا .. لا أعرف!! نعم هي أرحم!

وتابعَ: هل أخبرتُكِ؟ قُتِل رجلان أمامي وضُربَ آخر اليوم في محطة الوقود! لا تخافي، كان رجل يعوي حاملاً سلاحه مُطلِقاً رصاصه على مَن يشتكي من الانتظار.. من المرض، من البرد والجوع و …. الخوف!!!
أنا كنتُ أنتظر دوري، كغيري، وأتاني صوته كصوت جلاّدنا في تلك الزنزانة، اه دوري؟!!!!! حتى فصلَتْ تلك الرصاصة المسافة وأيْقظتْ ذاكرتي وعاودتُ مكاني!
لا شيء، فقط قُتِل الرجل أمامي في المعتقل، أقصد في محطة الوقود، وما الفرق، هو نفس الجلاد، هو نفس القاتل ونفس نفس القتيل!!

تعرفين، تذكّرتكِ حينها في تلك اللحظة، كنتِ معي، كنتِ تحتضنيني وتقولي لي اهدأ أنا هنا!
كنتُ أراكِ تذهبين كاللبوة لتصرخي في وجه ذاك المُسمَّى ذكراً، أعرفكِ جيداً، أعرف أنكِ أقوى من ألف رجل في وقت ٍ كهذا! وأعرف كيف كنتِ ستشعرين مع هؤلاء الناس المُعذَّبين.

ماذا تفعلين؟ هل تكتبين؟ اِسمعيني فقط قبل أن يأتي دوري وتكون الرصاصة القادمة من نصيبي!
كنتُ أنظرُ في عينيّ جلاّدي في تلك الزنزانة، وهو يستلذّ بتعذيبي، كنتُ أرى ضعفه والخوف في عينيه ولكني لم أرَ موتي يوماً في عينيه!!
لا أعرف، هذه الرصاصة اليوم لم تكن رصاصة، كانت قنبلةً أيْقظتْنا جميعاً!! وصوتُ ذلك الذكر يُهمجِر هناك وهو يصرخ على الجميع .. لم أبالي لنفسي، صدّقيني، لكني بكيت على رجل ٍعجوز كان ينتظر وأنْهكه التعب، تناوله ذلك المُسمَّى ذكراً بألفاظ ٍسيئة حتى أبْكاه!

تعرفين، نحن خُلِقنا في هذا الشرق لنتعذّب فقط!
هل ما زلتِ هنا؟ لا تذهبي .. لا تتركيني
أنا .. أنا بخير لا تخافي .. أنا أستمتع فقط!!
في محطةِ الوقود، مسلسل جديد للموت. ليس حاجزاً، ولا معتقلاً، ولا أرض معركة، هو محطة للوقود!!
وأنا … أستمتع فقط!!!

الكاتبة ريم شطيح –

شاهد أيضاً

الصمت أجابة……..هدى الجاسم

منبر العراق الحر : من قال أني توقفت عن الكتابة ؟؟ قلتُ أنا أني فاقدةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.