الرئيسية / مقالات / ابتسامة الموناليزا … الدكتورة لطيفة لبصير . المغرب

ابتسامة الموناليزا … الدكتورة لطيفة لبصير . المغرب

منبر العراق الحر :

يعرف الكل أن لوحة الموناليزا لليوناردو دافنشي من أشهر اللوحات في العالم، ويبحث العديد من الناس عن السر الكامن وراء حياة هذه اللوحة عبر السنين. وبالرغم من أن للوحة تآويل عدة، إذ رأى البعض أن ليوناردو دافنشي رسم ذاته على شكل امرأة، والبعض الآخر رآها زوجة أحد النبلاء، بينما رآها الآخرون على أنها أم ليوناردو التي نقلها باحساس لكونه ابنا غير شرعي. ولكن رغم كل هذا الكلام، فان ابتسامة الموناليزا تبقى السر المثقل للوحة، فلا يتفق الراؤون حول لغز ابتسامتها الغريبة، بل ينقسمون بين الحزن والفرح. ويمكن اعتبار هذا التجاذب والتمازج بين الفرح والحزن هو سر جاذبية اللوحة وعبقريتها والأكثر من هذا ذاتية الرائي الذي يصبغ على اللوحة من مزاجه الشخصي وحالته التي ينقلها الى المرئي.
ينسحب هذا التجاذب على كل الأشياء التي نعيشها اليوم في حيواتنا وما أكثرها. فهناك قلق بالجملة يعيشه العديد من الأفراد، قلق في الصور، قلق في الحياة، قلق في الطمأنينة، قلق لدى الأشخاص الذين ينوؤون بحمل لا ينتهي، ولا تنفك تلك الأعراض إلا أن تصيبنا بالعدوى، فلا يمكن حيال ما يحدث أن نفرح مع الموناليزا.
حين أتأمل الموناليزا وأنا سعيدة وهذا ما انتهيت إليه، أراها تحدق في وكأنها تقول لي إني أعرفك هكذا وأنت تبتسمين وتشرقين، ولكنني حين أطل عليها بكل رغوات الحزن التي تصيبني، أراها تشبهني وأكتشف أن الرائي هو أيضا ينقل قلقه الى اللوحة فتصاب هي أيضا بالحزن، ولعل لعنة مثل هذه هي خلودها وانتقالها من جيل إلى جيل وتغيير أنماط وتعدد أشكالها. فاللوحة الأصل تظل شامخة مختلفة، بينما العصور ألبستها كل ألوان التحول، ولذا فلا عجب إذا رأيناها وقد شمرت على ساعديها أو وضعت شاربا كثيفا أو اكفهرت ملامحها أو تأهبت لحرب مباغتة، وكل هذه الرسومات والكاريكاتيرات هي نتاج ما نحياه الآن من قسوة تحت جلد كل كائن فينا يعيش ويتساءل لماذا يمتلأ المحيط الذي بالقرب منه بالألم والظلم وقهر الانسان لأخيه الانسان؟ لماذا لا يتسع العالم للمحبة بينما اتسع لكل أشكال النزاع؟
يحاول كثير من الأشخاص أن ينسوا قليلا ما يحدث، يتعايشون مع ما تلفظه الجرائد والشاشات والمواقع الالكترونية والاجتماعية من ألم، ويتحدثون عنه ويدينونه في كل يوم، لكنه يعود أكثر قسوة من ذي قبل. أتخيل أن العالم كان قاسيا منذ المهد الأول، لكنه غدا أكثر بشاعة وضجيجا وظلما ورعبا، أطرد كل الصور من ذهني المثقل…أطل على الموناليزا وأشهد تقطيبة وجهها وهي ترانا من فوق وكأنها تعلن علينا السأم الذي أصابها عبر السنين. وأتساءل هل كان يعتقد ليوناردو حين أبدعها أنها ستشهد على كل ما يحدث في العالم اليوم من صخب؟

أبحث عن الموناليزا وهي تنظر إلي ، لا تخجل مني أبدا، أبتسم لها …تبتسم لي قليلا …أمسك بيدها وأعانقها قليلا علي أهدأ…

————

شاهد أيضاً

الضاري وشيوخ الوسط والجنوب.. بين (العشرين)و(الشعبانية)… ناجي سلطان الزهيري

منبر العراق الحر : قامت الدنيا ولم تقعد يوم امس في المناطق الغربية ( السنيّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.