الرئيسية / مقالات / الروح ترتدي ثوبا ابيضا …نعيم عبد مهلهل

الروح ترتدي ثوبا ابيضا …نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
الروح من خلق الرب فأتخيلُها على شكل غيمة ، تسكن أجسادنا عمرا ، وتغادرنا الى الأبد لتعود الى المطلق الذي قوق رؤوسنا ، وعدا ذلك لايمكن لي ان اتخيل تفسير للروح .
تلك كلمات زميل لي في المدرسة التي قضينا فيها سنوات التعليم بقرية نائية من قرى المعدان في عمق الاهوار .
يسمونها قرية ( المحاريث ) جمع محراث ، والمحراث هو غصن شجرة يابس وطويل وثخين يحركُ فيه الجمر داخل التنور الذي يصنع فيه الخبز حتى يزيد من قوة اشتعاله واغلب هذا الجمر هو من المطال ، وهو عبارة عن روث ( فضلات الحيوانات ) يتم عجنها على شكل اقراص مدورة وتخلط بمادة التبن ثم يتم تعريضها امام الشمس لتصير صلبة وتستخدم للتدفئة شتاءً ، ولتجميرها في قاع التنانير الطينية من اجل صناعة الخبز .
لا أدري حين اقف أمام تنور الخبز ، واتأمل امي في البيت وهي تحرك المحراث لتثير في الجمر اشتعال قوي ينضج الخبز فيه ، أو وأنا اتأمل نساء المعدان في القرية يفعلن ذات الشيء ، أتخيل أن النار وبعض من امواج حرارتها الصاعدة وتبدو لي مرئية على صورة طيفية لأشكال هلامية تتعانق فيما بينها او تتشاجر وهي صاعدة الى ذلك المطلق إنما هي من بعض اطياف ارواح لكائنات ما ، عاقلة او غير عاقلة ، حد الذي يدفع معلم يساري آخر ، يعلق على شهية الرغيف الخارج من التنور قوله ، ظهر الرغيف بصورته الكونية وارواحنا متعلقة فيه لأنه الحياة .
وحين نذكره بقول المسيح ( ع ): ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان
يرد : ولكن الجياع معه يعيدون صناعة ارواحهم.
أعادة صناعة الروح هو ما كان يشغلني في ليل الأهوار واتخيل الصياد الذي يمنع الروح عن السمكة عندما يتركها تفزع ذعرا في قاع المركب الى ان تموت ، وأفسر بسريالية غريبة تعدد الارواح وتنوعها فأظن ان هناك روح جامدة قد تخبو وتتجدد مرة اخرى مثل الشمس والنجوم والاقمار ونار التنور ، وهناك ارواح عاقلة تعرف قدرية الروح فيها والمسافة الزمنية بين الولادة والموت . وهناك كائنات حية ولكنها غير عاقلة مثل السمكة والطير الذي يمارس نفس رد فعل السمكة حين يفصل رأسه عن جسده ذبحا بالسكين او بطريقة يمارسها الاطفال مع صيد الزرازير والقبرات ويسمونها ( ملص الرقبة ) اي فصل الرأس عن الجسد من خلال جرها باليد بقوة .
ذاته المشاعر بقيت تلاحق ظل تفكيري كلما اقرأ خبرا عن موت صديق او اديب او ممثل مشهور أو مع فقدان الاصدقاء والجيران في جبهات الحروب وأنا استعيد عبارة هائلة لواحد من الاصدقاء قولها :الحروب تحول ارواح البشر من لحظة هيام كتابة قصيدة الغرام الى مجرد خشبة هامدة يرفعها الناس ليهال عليها التراب بعد ذلك في مقبرة .
لهذا أيام جنديتي في ربايا القمم العالية في بنجوين وكلا حسن وتاريار لم اتخيل صورة مجسمة لأرواحنا سوى على صورة نعش الخشب .
ولكنه ولكن ذلك الطيف المرئي بضبابية شكله الهلامي اقترب اكثر في تصوراته وتحديد ملامحه يوم عدت الى بيتنا في الناصرية ولم اجد روح ابي التي كانت تظلل حياتنا بالحكمة والعمل والحنان .
مات ابي . واختفى جسده من على سريره المنفصل الذي انعزل فيه عن والدتي منذ زمن بعيد ، رفعوا نعشه عن الارض دون ان اكون موجودا ، وحتى اجده لأعانقه في وداع اخير ، رحت افتش في ارجاء المنزل عن تلك الاضواء الهلامية التي كانت تخرج من التنور المتقد يوم يحركه محراث امي او محاريث نساء المعدان ، لكني وجدت التنور هامدا فحزن امي وتقوس ظهرها لم يعد يسمحان لها بأيقاد التنور مرة اخرى.
فعدت الى القرية افتش عن واحدة تشعل تنورها في ظهاري الصيف لتبان لي تلك الاشكال الصاعدة من لذة احمرار الجمر فيتشكل معها وجه ابي على شكل روح ترتدي ثوبا ابيضا ، فأتخيل أني اقيم معه الآن تفاصيل وداع متأخر فتشعرني حرارة تلك الاشياء بدفء حضنه يوم اركض اليه جريا وانا احمل شهادة النجاح في المدرسة الابتدائية والتي تغيرت طقوسها عندما انتقلت الى المرحلة المتوسطة حيث كان يكتفي بتقبلي بحرارة ، أما امي فقد ابقت طقوس الاحتضان في لحظة جلب شهادتي للبيت حتى عندما تخرجت من معهد المعلمين.

شاهد أيضاً

العراقيون …يَقضون صَيفهم بين صَفنات الشلب وطَباخات الرطب… علي قاسم الكعبي

منبر العراق الحر :… من المعروف بان مناخ العراق يكون صيفة حاراً جافاً ويكون لفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.