الرئيسية / مقالات / من يبيع الوهم؟ ومن يشتريه؟- د.يوسف السعيدي

من يبيع الوهم؟ ومن يشتريه؟- د.يوسف السعيدي

منبر العراق الحر :
استغفال الناس والضحك عليهم مستمر، فالنقص لدى أي إنسان مقلق، والرقص على هذا النقص موجع، فلذا كان سبيله من يخلصه من هذا الوضع، فيتبارى المخَلصون، لكن ليس هناك أقسى من استغلال تطلعات الناس نحو السعادة والتغيير، ببيعهم وهماً على أنه طريق الخلاص المنشود، الذي تعدّدت ألوانه وتغير موضعه، وتبدلت أسماؤه، لكنه بقي وهماً، وها هو أتاكم من كل اتجاه، فمن يشتريه؟
يشار إلى أن الوهم، لغةً، هو الظنُّ الفاسد، وكلُّ ما هو غير مطابق للواقع، والوهم، اصطلاحاً، هو إدراكُ الواقع على غير ما هو. وقد جاء تفسير الوهم في الفلسفة الهندوسية (مايا)، على أنه غير واقعي وغير زائف في الوقت نفسه، بمعنى غير صحيح وليس باطلاً
والعقل البشري قابل لتلقي الخرافة والوهم وتصديق اكثر للمجهول ..، وتعتبر الرغبات والمخاوف من أكبر مسببات تقبل الوهم، وهي غير مرتبطة بمستوى تعليمي أو اجتماعي أو اقتصادي معين، فالوهم لا يرتبط بالخرافة التي سكنت المجتمعات القديمة فقط، إنما سرى الوهم إلى مجتمعاتنا المتطورة بالنظريات الحديثة الجارية، فالانفتاح كان سبباً في رواج الوهم بسبب عالم التكنولوجيا والتغير السريع الذي جعل الإنسان يصدّق كل شيء
مجتمعنا لديه الإمكانية الكبيرة للتصديق وشراء الأوهام بل والترويج لها على أنها حقيقة، لذا دخلت تجارة الوهم في جميع المجالات، ففي الصحة كل مرض في طريقه إلى العلاج السريع بدءًا بالدواء وانتهاءً بالأعشاب والسحر. وحياتك ممكن تقرأها، تغيرها، بوهم معرفة الغيب والأبراج والدورات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وفي عالم المال، في ظرف أسبوع، يمكن أن تصبح مليونيراً، وعضواً بارزاً في شركات الاستثمار والعقار!
وفي عالم الجمال‘ فإن فكر المرأة فيه بيئة خصبة لتقبل الوهم، فالفتاة ترجو زواجاً مبهراً، والعجوز تريد أن تعود صبيّةً، وهذا الوهم طال الملايين، وشجع تجار الوهم على التفنن في العرض حتى طالت الثقافة والشعر.
فمن قال إن بالتصويت سنساهم برقي شاعر أو فنان، إنّما هي طريقٌ لمضاعفة الدراهم التي ستدخل في جيوب صانعي الوهم. لكن لمَ الناس تشتري الوهم وهي تعلم أنه وهمٌ لا يزيدها إلا هَمّاً
في السياسة أيضاً هناك من يبيع الوهم، والمتصدي إليه إما أن يكون جاهلاً أو عارفاً بأنه سيكسب، وفي هذا اليوم أصبحت للسياسة دكاكين، وزاد تجارها وتلونت بضاعاتهم وأقبل الناس إليهم من كل حدب وصوب. وربما الناس فيه لا يدفعون مالاً، لكنهم يدفعون ما هو أكثر منه قيمةً وحسرة. إنه العمر، يبقى الكثير منهم منخدعين ولا يكتشفون أنهم واهمون إلا من بعد فوات الأوان، وتلك حسرة ما بعدها حسرة، تصديقاً لقوله تعالى: «قُل هل نُنَبِّئُكُمْ بالأخسرينَ أَعمالا. الذين ضلَّ سَعْيُهُم في الحياةِ الدُّنيا وهم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنون صُنعًا». (الكهف: 103 – 104)
الدكتور
يوسف السعيدي

شاهد أيضاً

الدم العراقي…ساهر لا ينام —–الدكتور يوسف السعيدي

منبر العراق الحر : وحده الدم لا ينام في العراق… ونحن صعاليك المراحل نمارس بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.