الرئيسية / مقالات / الأهوار وذكريات هلال العيد…. نعيم عبد مهلهل

الأهوار وذكريات هلال العيد…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

لم يجد سكان قريتنا صعوبة في رؤية هلال العيد منذ الليلة الأولى حيث لا توجد موانع تحجبه عن الرؤية ونراه بوضوح يمد رأسهُ من العش الذي يطل منه مشتاقاً لدشاديش العيد والفرح الطفولي والأراجيح، غير أن عيد أطفال المعدان لا يتعدى هذا المطارد في الساحة الصغيرة من اليابسة أمام بيوت القريبة، والبعض يركب مع أهله مشحوفاً، ويذهبون إلى عمق الهور، فقط ليشعروا أنهم قضوا ساعات فرحة في هذا العيد، وأظن أن فكرتي بنصب أرجوحة في أحد الأعياد منحت الأطفال فرحاً لم يألفوه في حياتهم، ومع هذه الأرجوحة التي صنعناها من حبل وجذعي نخلتين متيبستين زمن بعيد، وباتوا يتمنون أن تكون كل الأيام أعياداً، ولكي نجعلها كذلك حوّلنا درس الرياضة إلى نصف ساعة يلعب فيها الأطفال بالأراجيح بعد أن يكملوا لعبتهم المفضلة كرة الطائرة، وهي الرياضة الوحيدة التي تمارس هنا.
لا مشكلة في قريتنا في رؤية هلال العيد، فيما المدن تعاني من قلق الرؤية المشوشة للهلال ودائماً يتأخر العيد يوماً واحداً لعدم القناعة بأن رؤيته لم تتم بالعين المجردة، وعلى الرغم من أننا نراه من أول بزوغ له لكن لصعوبة المواصلات وبعد الطريق فلا أحد يذهب ليشهد أمام وكيل المرجع ويقول: إنه رأى الهلال، ولهذا فقريتنا تفتخر أنها ومنذ مئات السنين تدخل العيد من حسابه الفلكي المضبوط…
عندما أتت الحرب والتهبت معاركها، صار العيد مختلطاً بحزن أن بين كل عيد وعيد هناك نذر دفعته القرية هو استشهاد واحد من أبنائها، لهذا خفّت حماسة الصغار لركوب الأراجيح، وصارت التهاني تتداول بهمس حزن؛ لأن ابن فلان جيء بنعشه ضحية حرب قبل حلول رمضان بأسبوعين.
وهكذا مرت أعياد الحرب بفتور، إلا العام الذي لم يظهر فيه الهلال واضحاً للعيان على الرغم من أن السماء كانت صافية، ربما بسبب الحرب وضحاياها أدار الهلال وجهه للمكان واعتكف واعتبر الناس هنا أن هذا جزءاً من حزن وغضب السماء على الأرض؛ لأن أهلها يتقاتلون خاصة وأن أهل القرية عرفوا أن وحدة برمائية عسكرية تجحفلت على بعد أربعة أميال في البر القريب من قريتنا، وكل الذي عرفوه أنها سرية من لواء شُكِّل حديثاً يسمونه لواء الأهوار الأول، لهذا تحاشى الناس المرور قرب هذه الوحدة العسكرية. ولهذا ربطوا بين عدم ظهور الهلال وتواجدها، ولكن دون أن يضعوا تفسيراً لذلك، ولأنهم يريدون أن يعرفوا عيدهم ذهبوا إلى رجل الدين الذي يأتي من الجبايش ليعايدهم كل عام وقالوا له: مولانا لقد تأخر ظهور الهلال في قريتنا، نريد أن نفرح ونتذكر موتانا وننذر لهم.
فكّر الرجل وقال: من أي جهة كان يظهر في كل العيد.
أشاروا له جهة الظهور.
قال: ابنوا جبيشة لأصعد عليها وأتفحص السماء.
بنوها بساعة، ثم صعد عليها. تأمل الأفق لدقائق ونزل وقال لهم: هذا العام لن يظهر هلال العيد عندكم.
قالوا وباستغراب: لماذا نحن أيضاً من عباد الله.؟
قال: أعرف أنكم من أفقر وأفطر وأطيب عباد الله، ولكن الهلال يخاف أن يظهر في سماء قريتكم.
صاح الجميع: ليش؟
قال: لأن الجيش نصب دوشكة سبطانتها متجهة صوب الجهة التي يهلُّ منها الهلال….!

شاهد أيضاً

يوم زعل الحظ الاسمر في 8/8/1988 ولم يقل لي بعدها مرحبا ! احمد الحاج

منبر العراق الحر : لم أشهد فرحا شعبيا عارما طوال حياتي إتفق عليه الجميع في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.