الرئيسية / مقالات / الآلهة وهاشمية ….نعيم عبد مهلهل
نعيم

الآلهة وهاشمية ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :يسكنني الإحساس دائما عندما ينتهي آخر فصل من روايتي ، تبدأ معرفتي للحياة بطريقة غير التي كنت اعرفها وقت شروعي بكتابة الفصل الأول ، لكني مع آخر رواياتي التي أتحدث فيها عن غرام مجنون من طقوس المنفى والعذاب بين اخ وأخته حملني لأبقيَ عشقي للحياة التي كانت مسرحا لروايتي ووظيفتي يوم كنت معلما لأبجدية الحلم والأمل أن أجد امرأة تمتلك فهم شغاتي للكتب التي أُعيره إياها بعد أن تعلم القراءة والكتابة ، امرأة تعشق روزا لكسمبورغ ونوال السعداوي وسيمون دي بوفار مثلما تعشق صوت الملاية زكية القادمة من ناحية الاصلاح لتقيم في كل عاشوراء مجلس عزاء ( النسوان ) من أول المحرم حتى انتهاء الليلة الثالثة عشرة، ليلة الوحشة بعد دفن جسد الحسين ع ، وأخذ رأسه الى بلاط يزيد في شآم دمشق. وأيضا مثلما يهزها طرب صوت بنت الريم وسورية حسين ووحيدة خليل.
تلك الرواية ( الآلهة والجواميس في مديرية الأمن ) ابقت فيَّ الحنين الى تلك الأمكنة والى صبر الأمهات والأخوات يوم يُساق الاباء والابناء الى محارق الحروب أو زنزانات الاعتقال ، وربما هاشمية بطل روايتي والمرأة التي ابقت عشقها وحنينها لأخيها في غربة منفاه وتحملت بدله سنيَّ الاعتقال في زنزانة في مديرية الأمن لتسجل بدلا عنه ، موقفا يسجلهُ هذا المخاض العسير الذي عاشته نساء الاهوار مع دوي القنابل والتهجير وحرق القرى من قبل الافواج القادمة لتبحث وتطارد من بدؤوا يحاربون الحكومة ويفرون من الجيش ويذهبون تحت جنح الظلام صوب اهوار مدينة الاهواز.
كنت أتخيل الملامح الافتراضية لوجه هاشمية وأقربه تماما الى وجه يشع ببياض حليب الجواميس وصفاء شمس صباحات الاهوار وهي تشرق على وجوه اتعبها سهر الليل في انتظار أن يكتمل القيمر في تجمّده أو اللبن في خثرته .
هذا الوجه لم يكن حقيقيا ، لكنه حتما يعيش في وقائع قرية من قرى الأهوار ، وهو ذاته الهاجس الذي عاش معي في قصة حقيقية يوم انتظر بطل القصة زوجة اخيه التي عشق وجهها والتي هربت مع اخيه بعد ان فجر ثورة رفض ضد شرطة مخفر (وانه ) في اراضي قبيلة عباده المحاذية لأهوار ناحية الطار والفهود وكانت القصة بعنوان فتاة حقل الرز.
بين ريحانة فتاة الاهوار بطلة قصتي فتاة حقل الرز واتخيل بدء القصة في خيالي (( ركبت ريحانة الفرس الأبيض، وهبطت إلى الماء مثلما تهبط حوريات البحر تاركة تخيّلات الماضي تفيض أسى وارتباكات معطرة بموقف أخي مما يحدث الآن في سومر)) وبين هاشمية التي تنام مع أطياف الآلهة في زنزانتها المظلمة تتحرك مشاهد الذكريات في مديح تلك النظرة الجمالية لنساء المعدان وهن يقفن على تنانير الخبز أو يحصدنَ القصب الاخضر علفا للجواميس أو عندما يشعرن بخلوة المكان فيطلقن لحناجرهن شدو غناء ساحر وهن يَقُدْنَ زوارقهن بدلا عن الرجال الذين ذهبوا يفتشون في القرى الاخرى عن فحل هُمام لتلقيح جاموساتهم.
صورة هاشمية وهي تجالس الآلهة في إلفة الحنين الى اخيها الذي يتوسد في الليل الجرماني جسدا شهياً لسائحة يابانية وجدها صدفة تتجول في ارجاء بيت الشاعر ( غوته ) في مدينة فرانكفورت.. هي صورة لسحر تلك الأمكنة الخضراء التي تدفع اجفان هاشمية يوم اطلقوا سراحها لتتحول الى بساط ريح فتذهب هناك تتفقد ليالي الغرام لأخيها الهارب من جحيم بنادق السيمينوف التي يحملها خيالة مخفر مدينة الجبايش……!

شاهد أيضاً

خلود

كي لا ننسى… قاماتٌ سوريةٌ صَنعتْ تاريخا و خلدها التاريخ

منبر العراق الحر : صارمٌ مُكرّمٌ كالحُسامِ لا يُهزَمُ عند َسَاحاتِه أجتَمَعَتْ القِيَمُ تَجَمّع الأغرابُ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *