الرئيسية / تقارير وتحقيقات / قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (12) (فصل جديد)
تنزيل-42-259x165-259x165

قارب الموت والظمأ العظيم تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (12) (فصل جديد)

منبر العراق الحر : حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – أواخر 2014
(12)

“ذئب الإنبعاث”
تحليل قصّة “الغزالة”

“إنّ ثمّة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء : الشمس والموت”
“لاروشيفوكو”

في نهاية القصّة السابقة “الظمأ” ، ثار في ذهني تساؤل عن الكيفية التي تتخلّق فيها الأسطورة ، فانقذاف شبح الرسّام الراحل عبر النافذة ، وهو في بياض الكفن : طويلاً ، مارداً ، رهيباً ، مُريعاً ، واندفاعه كصاروخ منطلقٍ ، كنجم مُذنّب هائل ، إلى وسط الدارة ، تمثّل لحظة “أسطوريّة” ، قد تماثل ما كان يحصل للإنسان البدائي الذي كان يعزو إلى أعزّ موتاه “إنقلاباً وجدانيّاً” يتحوّلون بموجبه إلى عفاريت وجنّ تُطارده وتبغي إيقاع الضرر به ! وقد قدّم معلّم فيينا محاولة لتفسير مثل هذا السلوك الغريب تفسيراً قد يبدو أكثر غرابة ، حيث يرى أنّ الجن والعفاريت هذه ما هي إلّا إسقاطات للمشاعر العدائية التي يكنّها الباقون على قيد الحياة للأموات . ويرى أنّنا إذا قررنا الأخذ بهذا التصوّر ، زعمنا أنّ هذه المشاعر ذات الطابع الازدواجي – Ambivalent ، أي الحانية والعدائية في آن معاً ، تسعى إلى التظاهر وإلى التعبير عن نفسها في لحظة الموت في صورة ألم ورضى في وقت واحد . ويواصل طرح تحليله الغريب كما هي عادة مكتشفات التحليل النفسي الثوريّة :
(وبين هاتين العاطفتين المتعاكستين ينشب نزاع محموم ؛ وبما أن إحدى هاتين العاطفتين ، أي العداء ، لاشعورية إلى حدّ كبير ، فإن النزاع لا يمكن أن يجد له من حل على اساس التخفيف من شدّة كلتا العاطفتين ، مع القبول الواعي بالفارق كما في الحالات التي يغفر فيها الإنسان لشخص محبوب من قبله مظلمة ارتكبها بحق من يحبه . وإنّما ينتهي مسار الصراع بالأحرى بتدخّل أوالية نفسية خاصة تُعرف عادة في التحليل النفسي باسم الإسقاط . فالعداء ، الذي لا يعرف عنه صاحبه شيئاً ولا يريد أن يعرف عنه شيئاً ، يُسقَط من الإدراك الداخلي على العالم الخارجي ، أي يُفصَل عن الشخص الذي يستشعره ليُعزى إلى شخصٍ آخر . فلسنا ، نحن الباقين على قيد الحياة ، الذين يغتبطون من ذاك الذي فارق الحياة ؛ بل على العكس منذ ذلك : فنحن نبكي موته ؛ وإنّما هو الذي صار عفريتاً شريراً يُسعد لشقائنا ويسعى إلى هلاكنا . ومن ثمّ على الباقين على قيد الحياة أن يتّقوا شرّ هذا العدو ويحموا أنفسهم منه ؛ وبذلك لا يكونون قد تحرّروا من اضطهاد داخلي إلّا ليقايضوه بحصر له مصدر خارجي ) (38) .
ولهذا نجد “حرمة للأموات” عجيبة لدى العشرات من الحضارات القديمة حيث :
(لا يسعى البدائيون إلى إخفاء الخوف الذي يوحي به إليهم حضور الروح والخشية التي تساورهم عند التفكير باحتمال رجوعه ؛ وتراهم يقيمون طقوساً شتّى يرمون من ورائها إلى إبقائه بعيداً وطرده . فالنطق باسمه يعني استعمال رقية ليس من شأنها إلّا أن تجعل حضور الروح راهناً . لهذا تبذل كلّ ما بوسعها لمقاومة هذه الرقية وللحؤول بالتالي دون يقظة الروح . ومن ذلك أنهم يتنكرون كيلا يتمكن الروح من تعرّفهم ، أو يحرّفون اسماءهم أو اسم الميّت .. وإنّه لمن المستحيل أن نتملّص من الاستنتاج بأنّهم يعانون في الواقع ، من الخوف الذي توحي به إليهم ، نفسه التي صارت عفريتاً) (39) .
لم أذكر هذه المُداخلة المهمة لأنها تتصل بصورة مباشرة بالثيمة التحليلية المركزية للقصّة السابقة : “الظمأ” ، ولكنّها ذات صلة وثيقة بالقصّة التي بين أيدينا الآن ، وهي قصّة : “الغزالة” . واودّ أن يضع السيّد القارىء في ذهنه خلاصة خطيرة وهي أنّ الإنسان البدائي هو من أصحاب “اللاشعور العاري” كما أسمّيه ، حاله حال العصابيين … و … الفنّانين ، وكلّما كان الغطاء “الأنوي” ضعيفاً أو في طور النمو – كما هو الحال لدى الأطفال مثلاً – كلّما طفحت مشاعر الحصر والعدوان والإثميّة ، وكلّما صارت “الدفاعات” النفسيّة سلوكاً عارياً بلا “محسّنات” أنوية تموّهها أو تصعّدها ، وكلّما كانت الحاجة إلى التكفير أشدّ قوة ، وتجلّت العفاريت والأشباح المُعاقبة ، ومن ثمّ تصاعدت الحاجة للاستعانة بالآلهة الحامية . كان الناس البدائيون قد خرجوا من ليل اللاوعي الحيواني . ولكن هذا الليل كان بالنسبة لهم ليلاً عذباً وباعثاً على الطمأنينة كالليل اللاشعوري للجنين ، وكانو قد طُرحوا ، كالطفل عند الولادة ، خارج اللاوعي وخارج راحته . وكان يبدو قليل من الوعي كجزيرة صغيرة غير معيّنة في أوقيانوس من الأخطار .. أخطار قادرة على أن تخصب الأرض ، وتهب الوفرة ، ولكنها قادرة أيضاً على ابتلاع كلّ شيء كما اللاشعور يبتلع الأنا . وعندئذ ، نظروا ، وهم مُصابون بالحصر ومنبهرون ، إلى حيث كانوا يستطيعون أن “يروا” . فـ “في الأعلى” كانت اللانهاية ، حيث لم يكن ممكناً أن يستوي على العرش غير شخصيّة لامتناهية . حيث بحثوا في هذا الاتجاه عن المسؤول عمّا كان يحدث لهم .. عن “شيخ القبيلة العظيم” الذي كان يسوس الشمس والمطر والرعد والموت ، والحياة والليل ، والذي كان لا بُدّ من نيل الحظوة لديه .
ذلك ما فعلوا . وهذا ما لا نزال نفعل .
وكانت الأنماط الأوّلية من قبل تولد عبر الإنفعالات التي يسبّبها “ما يأتي من الأعلى” : رئيس السماء ، والقصاص ، والصاعقة ، والشمس والحياة والقمر والموت والمطر والرعد ؛ و “ما يأتي من الأسفل” : أعماق المياه السود ، والخطر ، وأحشاء الأرض ، والأماكن المظلمة حيث يذهب أولئك الذين يُعذَّبون … فكيف كان باستطاعة الناس أن لا يحسّوا بأنّهم آثمون لكونهم موجودين أمام هذا العرض الهائل من القوى الطبيعية الخطيرة ؟! ) (40) .
في قصّة “الغزالة” ، يتحدّث الراوي – والقصّة تُحكى بضمير المتكلّم – عن القمر الذي ينظر إليه من فرجة الخيمة المنصوبة في العراء بطريقة لا يمكن أن تُفهم إلّا إذا وضعنا – كمدخل تمهيدي إطاري حاسم – ما أسلفناه قبل قليل عن طفح مخزونات اللاشعور بفعل ترقيق دفاعات الأنا ، واستغاثة الراوي بـ “نماذجه البدئيّة” المختزنة في لاشعوره الجمعي :
(ألفيتني ، والقمرُ في ليلة تمامه ، أُطيلُ النظرَ إليه .. فيبادلني النظر ويزداد توهّجاً واقتراباً من الأرض حتى يلامس نهاية الأفق بحافتّه الدائريّة) (ص 285) .
وتبادل النظر هذا بين طرفين غير متكافئين من ناحية “العضويّة” : إنسان ومكوّن مادي جامد ، يحصل حين تكون العلاقة الناشئة قد تأسست في ظلّ “منطق” اللاشعور الذي تجعل “رغباته” كلّ الأشياء التي تعلق بها “حيّة” و “مؤنسنة” . وهذا هو من أعظم المُشتركات بين الفنّ وسلوك الفنانين الإبداعي من ناحية ، والعصاب وسلوك المُصابين به المَرَضي من ناحية ثانية ، والذين ينهوسون بقدرة “الأشياء” على التعامل معهم والتأثير فيهم عاطفياً . وقد تكون هذه “الحساسية” مكوّناً أساسياً مطلوباً لتشكيل الإحساس الجمالي عند الأشخاص ، وخصوصا المبدعين منهم . وفي العادة يشترط هذا الإحساس بالجمال سكينة داخليّة ، ونوعاً من هدوء المُحيط ، فمن الصعب جداً – إن لم يكن من المستحيل – أن تتنعّم بمصدر للجمال بصورة كاملة تنفذ إلى أعماق النفس وتستحوذ على مجامعها وسط الصخب والضجيج والضوضاء ، وهذا ما وفرّته سكينة البادية للراوي في شعوره الفائق بـ “وجه” القمر و “جسده” .. شعور يشي بصلة “حسّية” عميقة :
(وجدتني ، وسكون البادية يشحذ حواسِّي ، أستجلي لونه الفضّي ، أتملّى حمرته الذهبيّة ، فتستدير حدقتا عينيَّ مع استدارته . ينغرز فيه بصري ، يغوص في أعماقه ، ويندمج فيه ) (ص 285) .
تشفّ حدود الذات – نفساً وجسداً – شيئاً فشيئاً ، وتصبح مفتوحة المسام والأبواب لاستقبال أشعة القمر المُنعشة الحانية كيدٍ دافئة مُطمئِنة ، تنسرب في أوصال الجسد المُتعب رويداً رويداً ، ليتغلغل في أعماقها بهدوء مصحوب بأحاسيس استقبالية “أنثوية” – وقد يكون هذا من العوامل الكبرى التي جعلت أجدادنا السومريين يعتبرون القمر إلهاً مُذكّراً ، بخلاف كل حضارات المعمورة التي كانت تعدّه إلهةً أنثى – .. هذه الأحاسيس الرخيّة تلمّ الأوصال الخدرة ، مخلّقة شعوراً لا يُضاهى بالأمان لا يوفّره إلّا الحضن الأمومي . لكن قوّة الإحساس بالاطمئنان والسكينة والهدوء الباطني يجعلنا نشعر بأننا نقف أمام عودة إلى الرحم الأمومي – في الواقع إلى ظلمات اللاوعي – للتخلُّص من ضغوط الظرف الجحيمي الذي يهدّد الراوي :
(أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المُتهادية نحوي ، تغسل وجهي برفق ، ويستحم فيها جسدي ، وتنسكبُ في عينيَّ ، وتتسرّب منها إلى أعماقي ، فتنبثّ خيوط ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة . رأيتني مشدوهاً بسناه ، مُخدّراً بنوره ، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني ، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافىء ، فاشعر بسكينة تلفّ أحاسيسي ، واسترخاءٍ يهدهد بدني ، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المُتأرجح) (ص 285) .
ومن الضروري جداً التأكيد على قاعدة أساسية قد تُصحّح الكثير من المفاهيم التي نحملها بصورة تقليدية من جانب ، وتيسّر – نسبيّاً – بالنظر إلى “التعقيد” البنائي النفسي الذي تعمّده القاص محكوماً بصراعات لاشعور الراوي التي كان عليه تجسيدها ، فهم دلالات ودور مجموعة الرموز التي استخدمها الكاتب في هذا النص . وتتعلق هذه القاعدة بما يمكن تسميته بـ “المرونة الرمزيّة” ، حيث اعتاد الباحثون من محلّلين نفسيين ونقّاد يعتمدون المنهج النقدي والأسطوري بشكل خاص وغيرهم ، والذين يتعاملون مع الرموز خصوصاً ، والأنماط الأوّلية عموما ، أن يضعوا دلالة أو مجموعة دلالات محدّدة لكل رمز ، وقد يعتقد بعض الباحثين أنّ مراجعة معجم معيّن للرموز يكفي للإحاطة بمعاني أغلب الرموز ، ولكن هذا موقف خاطىء ، لأنّ معاني الرموز ليست ثابتة جامدة خصوصاً في التحليل النفسي (في تحليل الأحلام بدرجة كبرى) ، وفي النقد (معتبرين نصّ الكاتب هو حلمه) . يجب أن نستدل على معنى الرمز من خلال سياقه ؛ السياق الذي يأتي ضمنه ، وشبكة العلاقات التي تحيط به ، فاللون الأبيض مثلاً يرمز عادة للصفاء والنقاء والطهارة والأمل ، لكنه في بعض الأحيان قد يكون لوناً ملعوناً مرتبطاً باليأس والموت والحضور الشبحي حين يقترن في ذاكرة بنت بلون ثياب أمٍّ منحرفة ، مثلما قد تكون الشمس التي ترمز للأبوة المُقتدرة والألوهة والبطولة رمزاً مقيتاً في عيني البطل الإبن حين ترتبط بصورة أبٍ قامع متسلّط أو عاجز مخصيّ . وعليه فإن الراوي في هذه القصّة قد أربك توقّعات القارىء المؤسّسة على تداول موروث عميق ، فجعل صلته بالقمر تبادليّة تتحمّل التأويل في المنحى الذكوري الفاعل (في البداية حين ينغرز بصر الراوي في جسد القمر الذهبي المُحمرّ) ، والأنثوي المفعول به (في النهاية حيث بدأت خيوط ضوء القمر تتغلغل بنعومة في باطن الراوي ويذوب فيه ، ويهدهد بدنه ، كطفل على وشك النوم في مهده المُتأرجّح) .
أمّا القاعدة الثانية المهمّة ، فهي أنّ الرمز لا علاقة له بالعقل ، لا صلة له بالشعور ، فهو نتاج مشغل اللاشعور وسبل بحثه عن إشباع رغباته وحلّ صراعاته . الرمز لو حوكمت معانيه وارتباطاته عن طريق المنطق لوقع في دائرة السخف أو الجنون ! وينطبق هذا على كلّ المجالات التي تنتعش فيها حركة الرموز وحضورها من الأحلام مروراً بتخييلات اليقظة والهذاءات والهلوسات .. وانتهاء بالشكل الأسمى لتوظيفها وهو : الإبداع الفنّي . ويمكن ملاحظة أهمّية هذه القاعدة حين نلاحظ “الحركة” السلوكية الأولى التي تلتْ الوقفة التمهيدية التأمّلية الأولى التي أفصح عنها الراوي حول علاقته التبادلية بالقمر ، والتي أحسَّ فيها ببوادر تضاريس موحية في “وجه” القمر ثمّ “حركة” فيه أو قدّامه :
(كنتُ أظنّ أول الأمر أنني أحدّق في سطح مستوٍ مُشع ، غير أنّني أخذتُ أتبيّن رويداً رويداً تضاريسَ وظلالاً كالوشم في وجه القمر . ثمّ تبدّى لي في وسط القمر أو قدّامه ، كائن حيواني يتحرّك قليلاً ، ثم يكفّ عن الحركة . ولم أدرِ تماماً ما إذا كان ذلك الكائن يكمن في القمر نفسه أم أنّه يقف على الأرض في نهاية المسافة الممتدّة بيني وبين القمر . وراح ذلك الحيوان يتّجه صوبي (…) إنّها غزالة تتحرّك نحوي ببطء وتردُّد ، والقمر يؤطّرها من خلف ، حتى صارت تغطّي معظمه . وأخذتْ تدنو منّي شيئاً فشيئاً ، ثمّ توقّفت إزاء خيمتي ، وهي تنظر إليّ فتلتقي عيوننا في صمت) (ص 285) .
وليس بعيداً عن أذهاننا ما كنّا نسمعه في طفولتنا من أمّهاتنا ، وهنّ يشرن باصابعهنّ النحيلة نحو القمر ليدلّننا على الغزالة الصغيرة البعيدة التي في “وجه” القمر . إنّها صورة من صور رجاء النفوس المقهورة في أن يحتضنها ، وبعيداً ، متعالياً على كلّ ما هو أرضي ، الإله الحامي (ذكراً أكان أم أنثى) ، وحين أقول “المقهورة” فليس بالمعنى الطبقي أو الاجتماعي ، بل بالمعاني الفلسفية والإنسانية الأشمل التي تنبع من الإحساس بضآلة موقفنا الوجودي تجاه قوّة قاهرة عُظمى ممثلها الموت . وهذا الإحساس الماحق بالانسحاق المتبوع بالانرعاب هو الذي يدفع الإنسان نحو “أسطرة” علاقاته بالكون بصورة عامّة ، والطبيعة بشكل خاص . وهذا الإحساس يتأجّج في المواقف التي تهدّد حياتنا وتضع إرادتنا المنتفخة على المحكّ ، لتكشف الحقيقة المريرة التي نحاول الهرب منها أو التعالي عليها من خلال العلم أو الفن على حدّ سواء ، وهي أننا أضعف من حبّة رمل ، وأفنى من ورقة شجرٍ يابسة ، وأهشّ من كثيب رمل من هذه الكثبان التي تُحاصر الراوي وتفضح رعبه وانخذاله . فهو الآن وسط هذه الصحراء الشاسعة القفْر الخالية من أي نبات أو حيوان أو أيّ شيء آخر ما عدا كثبان رملية تنتشر فيها على مدى البصر ، تنحسر لديه كلّ تنفّجات الأنا التي تشيع في داخل الإنسان في كثير من الأحوال مشاعر إله مغبون . هذا الإنسان المستأسِد الذي حذّر منه الله سبحانه : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ، يتحوّل في وجه المُثكل إلى “غزال” . منذ ثلاثة ايّام نفد طعامه ، وأوشك مخزون الماء لديه على النفاد ، ولم تعدْ سيّارته تساوي حبّة رمل ، بعد أن انعدم الوقود ، ولم تكن خيمته المنصوبة وسط الصحراء قادرة على حمايته من لفح الشمس التي كانت تصهر كلّ شيء تحتها ، وتحيله إلى رمل مسحوق (ص 286) . يعتقد الإنسان الذي تصاعدت وتائر غروره وكفره المُعلن والمُستتر مع ثبوت سطوة هذا المارد المُرعب الذي يُسمّى العلم الذي – بعد الإستنساخ الوراثي – لم يبقِ للآلهة من وظيفة تُخيف بها البشر وتردعهم وتلجم اندفاعاتهم الساديّة المُدمّرة ، غير الموت . يعتقد الإنسان بقوّة أنّه صار يمتلك يوماً فيوماً اختصاصات إله . صار يوقع “الموت” بآخر .. بضغطة زرّ يستطيع أن يقيم “يوم قيامة” لكتلة هائلة من البشر .. وأن ينصب لهم جهنماً تزأر : هل من مزيد ! لقد انتفخ العقل وضمر اللاشعور الجمعي بنماذجه البدئية ورموزه الخلّابة المسؤولة عن صحّتنا النفسية القويمة وتماسكنا الروحي السويّ . صرنا عقلاً ومدارك آليّة مُعجزة ، وماتت فينا المشاعر والأحاسيس وقوى الحدس .. بتنا ذكوراً نهدّد باختراق كلّ شيء ، وانزوت فينا مشاعر الأنوثة الحانية المُستقبلة . لم نفكّر لحظة بأنّ هناك منطقاً آخر وعلماً مغايراً أكثر ضرورة لأرواحنا من العلم الذي يشبع مستودعات غرائزنا النهمة التي لا تشبع . وهذا الراوي ينظر بأسى وانكسار إلى أدوات “علمه” التي خذلته متهاوية كسيرة ، فالسيارة توقّفت بعد أن نفد منها الوقود ، والبندقية ملقاة على أرض الخيمة بعد أن انتهت ذخيرتها ، وكلتاهما لا تساويان حبّة رمل .
ولم يخبرنا القاص كيفَ وقع هذا الراوي في مصيدة الصحراء جوعاناً وعطِشاً وبلا وسيلة للوصول إلى المدينة ، ولماذا نفد طعامه وماؤه ووقوده ؟ إنها أمور غير مُهمّة الآن ، فالراوي ، وباللمحة الجوهريّة التي قدّمها القاص عن شخصيّته تسم سلوكه سمة التناقض كما يسمّيها . إنّه يحن الآن – وهو وسط الصحراء المتطاولة المُخيفة التي تكاد تُطبق عليه وتبتلعه – يحنّ إلى المدينة بشوارعها ومقاهيها وحدائقها ونافوراتها ، ويعجبُ لنفسه كيف تضجرُ من صخب المدينة وزحمتها بين الحين والآخر ، وتتوقُ إلى صمت الصحراء وفضائها الغارق في السكون . هو يعزو ذلك إلى “تناقضه” الذي يحكم سلوكه :
(هكذا كنتُ دوماً ، حياتي كلّها سلسلة متّصلة من التناقضات . أترعُ كأس الرغبة بالشوق ، ثمّ في لحظة واحدة أهرقها على بساط الملل ، أحلّق على جناح الأمل إلى قمم الفرح ، ثمّ سرعان ما أهوي متشظّياً إلى سفوح البؤس ؛ أغنّي للوصل أحلى الأغاني ، وفجأة أقطعها لأنشج بكائيات الهجر والحرمان) (ص 285) .
لكن هذا التناقض تعبير عن عُصابيّة الطبع .. عن عدم استقرار السمات الأساسية في شخصيّة الراوي .. إنّ هناك “شيئاً” ما ضائعاً يفتّش عنه . وكان بإمكانه أن يذهب إلى واحة أو بستان خارج المدينة يحصل فيها على الهدوء والسكينة ، وليس إلى صحراء شاسعة تزداد فيها احتمالات الضياع والموت عطشاً وجوعاً . ولكنه ليس تصرّفاً عابثاً دافعه “التناقض” كما يظنّ ، بل إنّه “اختيار” ، فنحن محكومون – في أدقّ أفعالنا – بنوع من الحتم اللاشعوري خصوصاً في التحوّلات السلوكيّة التي تبدو سريعة وغير مفهومة . وليس شرطاً أن نُمسك بالدوافع الحقيقية من أصلها الجذري ، بل يمكننا أن نعود إليها من نتائجها (أي بالتعبير الفلسفي نستطيع استنباطها أو استقراءها) .
ولعلّ واحداً من أهم السبل التي تضىء أمامنا ظلمات السلوك الإنساني وخفاياه في اختياراته المتناقضة ، والفعل الإستدراجي المازوخي ، هي تخييلات الفرد المُمتحَن المُحاصَر بنُذر الموت . ففي المواقف التي تتهدّد فيها حياة الإنسان بالفناء ، يأتي المدد عادة من مخزون اللاشعور الجمعي للشخص المعني في صورة ” نمط اوّلي – Archetype ” كثير التواتر في حياتنا الاجتماعية والنفسية والسياسية ، وهي صورة “المُنقذ” المُخلّص الذي يأتي عادة في صورة قوّة جبّارة تقتلع الشخص وتنقله من الشدّة إلى الفرج ، إنّه البطل الذي يُنقذ الناس من خطاياهم (مضمون هذا القول : من نزاعاتهم وشقائهم) . إنّه ينقذهم من الموت والحصر ، ويستأصل الجهل والخبث ، أي يجعل الناس واعين ويرفع عنهم لاشعورهم . إنّه يمنح الوفرة ويوزّع النور على الناس ، إنّه صالح صلاحاً دون حدود ، أي أنّ لا شيء يمكن أن يبلغه كالشمس والإله . والنمط الأوّلي للإله يرتبط بالنمط الأوّلي للأب . فالأب كما يترسّخ لدى كلّ طفل ، وبصورة لاشعوريّة ، هو كائن خارق قوي ، مجيد ، ومعصوم . ويرغب الطفل ، بصورة لاشعوريّة دائماً ، في أن يكون أبوه دون خوف ولا نقيصة ، وبالتالي بطلاً شمسيّاً منقذاً . فما السبب ؟
السبب أن الأب ينبغي أن يهدي ويشع وينير “الطريق” ، ويقود الطفل نحو “الأرض الموعودة” ، أي نحو سن الرشد والمسؤولية .
وماذا يقتضي الطفل ايضاً بصورة لاشعورية ؟
أن يكون الأب متّصفاً بأنّه لا يُغلَب كالأبطال الشمسيين . فإذا غُلِب ، كان ذلك ، ربّما ، بفعل خيانة ، لا بسبب الضعف . ويقتضي الطفل أيضاً أن يكون أبوه “فحلاً” قويّاً سوف يقلّد رجولته من الناحية النفسيّة ، لكي يتجاوزها فيما بعد ويصبح مستقلاً (41) .
وهنا تحصل خيبة كبرى تطوّح بآمال الراوي الذي “نكص” في تخييلاته الباحثة عن مُنقذ يخلّصه من محنته المميتة ، والتي أصبحت تقرُب من الهلاوس المخيفة التي لا سند موضوعياً لها . فعوضاً عن الأب المُنقذ الحامي الذي لا يُقهر ، والذي هو صورة عن الإله في الأرض (اذكروا الله كذكركم آباءكم .. أبانا الذي في السموات) ، ارتفع من ربوة رمليّة صغيرة تشبه الرَّمس ، شبح الأب ، أبي الراوي بكفنه الأبيض ، مُمتطياً صهوة جواده الأدهم ، مُتقلّداً بندقيته ، كما لو كان في طريقه إلى الصيد . لكن هذا “الارتفاع” لم يكن ظهوراً انبعاثياً يكتنز معاني نجدة الراوي الإبن . فقد كان شبحاً أبيض مع علامات مُخيفة . فعلى كتفه بومٌ أسود بدلاً من صقره المُدلّل ؛ صقره الذي كان يرمز للرجولة والقوّة والمَنَعة . أمّا كلبه السلوقي فكان يعرج بإحدى قوائمه المبتورة ، وهو يتلفّتُ إلى الجواد الذي فُقِئت عيناه ! صورة مُرعبة لكنها لهزيمة الأب وموته ، وانخصائه بالمعنى النفسي كنتاج لسطوة المُثكل الماحقة . وعلى الرغم من التركيبة الشبَحِيّة للأب ، ومظاهر ما بعد الموت من انحطاط وتفسّخ في أعضاء “أدوات” الإنقاذ المُساعدة كفقء عيني الحصان ، وبتر رِجْل الكلب ، ومن نُذر شؤم وخراب ممثلة بالبوم الأسود ، إلّا أنّ الأب مال على الابن ، ورفعه من الأرض كما كان يفعل معه في صغره :
(ثمّ عاد من حيث أتى وأخذ جواده يغوص في ذلك الرمس الرملي وأنا معه ، فأشعر بذرّات الرمل تندس في أنفي وتخنق انفاسي) (ص 286) .
إنّها ليست محاولة للإنقاذ بقدرة الاب الكلّية التي خبرها الإبن في طفولته ، ودعوة للخروج من هذا الرحم الالتهامي (من ظلمة اللاشعور إلى نور الشعور) الصحراوي المميت ، بل دعوة للموت ، والنزول إلى ظلمات العالم الأسفل . وما انحناء الأب على الراوي الراشد وحمله بسهولة مثلما كان في صغره إلّا تعبير عن تثبّت الراوي على تلك المرحلة من نمائه النفسي ، وعدم اكتساب شخصيته وإرادته ” الثِقَل ” الراشد المطلوب والذي يتناسب مع عمره . وكونه راشداً كبيراً ويُحمل بهذه الطريقة خلف أبيه على جواده ، “عرض” تمثيلي لسمة “التناقض” الراكزة في أعماق ذاته . وفي عمق هذا الفعل تكمن مخاوف وضغوط قلق رهيبة يحاول التخييل النهاري هذا تحقيق الفرار منها إلى “بطن” الصحراء الجرداء .. إلى “رحم” الأرض المُظلم .. وهي عودة ينفض الفرد يديه فيها ، وبقوّة ، من تراب مسؤولية الحياة الثقيل . وهذه عودة يفتّش عنها الكثير من المعصوبين الذين يجعلون الرجوع إلى رحم الأمّ خلاصاً من معاناة دائمة مُنهكة مليئة بـ “التناقضات” التي تسمّم حيواتهم وتجعلها عبئاً ثقيلاً ينبغي إلقاؤه عن كواهلهم لكي يظفروا بالراحة النهائية الاعتماديّة في فردوس يمنح الغفوة الهنيئة الدائمة بلا صراعات ولا تناقضات . وخروج الأب “المُنقذ” بهذه الصورة “الكاريكاتيرية” يعني أصلاً فشل عمليّة التماهي مع الأب الضروريّة لتحقيق النماء النفسي الناجز لدى الابن والتي تتوَّج بعمليّة “قتله” معنويّاً للحصول على إرثه النفسي والاضطلاع بدوره . وقد تأكّد الراوي الابن ، الآن ، من فشل عملية الرفقة النفسيّة “المتأخرّة” هذه مع أبٍ فقدَ كلّ مقوّمات المُنقذ ، ولا يستطيع مساعدته في عمليّة “العبور” الفاصلة في حياته ، ولهذا قطع شريط تخيّلاته اليقظة التجريبيّة هذه الباحثة عن الخلاص ، وذرّات الرمل تندس في أنفه وتخنق أنفاسه .
وأمام اندحار الأنموذج الأوّل للإنقاذ في وجدان الفرد وهو الأب ، لا يجد الابن مناصاً من اللجوء إلى الأنموذج الثاني الحامي وهو : الأم ، ورمزه البدئي هنا هو : القمر . القمر الأمومي يسحر عقل وروح الراوي (ولاحظ عبقريّة اللغة العربيّة المظلومة من ابنائها بدعوى عقمها في العالم المعاصر ، فمن معاني الجذر ” قَمَرَ ” هو الشغف الشديد ، وقمر فلان : بهر نور القمر عينيه فحار ولم يُبصر ، وقمر فلان : أرِق في القمر فلم ينمْ ، وقمر الشيءُ : اشتدّ بياضُه ، وقمرَ الطيرَ : عشّى عينها بالنار ليلاً ليصيدها ، وقمر الشيءُ : كثُر ، وقمرت الإبل : رويت من الماء … وقمر فلان : قامر .. وهذه المعاني تتفق مع فرضيّتنا عن كيفيّة بزوغ وتشكّل الجذر اللغوي التي طرحناها في مناسبات سابقة . لكن ما يهمّنا هنا هو “حزمة” المعاني هذه التي تعبّر عن أغلب الدلالات النفسيّة والإجتماعية والعمليّة والفيزيائية للمكوّن المادي الذي يرتبط به الجذر مُنطلقاً من لحظة الدهشة البريئة الأولى والانفعال اللاشعوري المؤسّس عليها الذي سوف يتحكّم بالتشكيلة الحروفيّة. ولو عدنا إلى المقطع الإفتتاحي من الحكاية كاملاً كما أقدّمه الآن لوجدت الأدلة شبه الكاملة على ما نفترضه :
(ألفيتني ، والقمرُ في ليلة تمامه ، أُطيلُ النظرَ إليه .. فيبادلني النظر ويزداد توهّجاً واقتراباً من الأرض حتى يلامس نهاية الأفق بحافتّه الدائريّة . وجدتني ، وسكون البادية يشحذ حواسِّي ، أستجلي لونه الفضّي ، أتملّى حمرته الذهبيّة ، فتستدير حدقتا عينيَّ مع استدارته . ينغرز فيه بصري ، يغوص في أعماقه ، ويندمج فيه . أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المُتهادية نحوي ، تغسل وجهي برفق ، ويستحم فيها جسدي ، وتنسكبُ في عينيَّ ، وتتسرّب منها إلى أعماقي ، فتنبثّ خيوط ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة . رأيتني مشدوهاً بسناه ، مُخدّراً بنوره ، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني ، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافىء ، فاشعر بسكينة تلفّ أحاسيسي ، واسترخاءٍ يهدهد بدني ، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المُتأرجح) (ص 285) .
فما الذي تقدّمه الأمومة للنماء النفسجنسي للفرد ممثّلاً بالراوي في هذه الحكاية ؟ إنّها تقدّم الشيء الكثير الذي لا تحدّ قيمته في حياة الإنسان ولا تُعدّ . لكن من الأمور الحاسمة التي تُقدّمها ، هو الإسهام المُبكّر في تشكيل “الظلّ الأنثوي” في شخصيّة الولد . فالذكورة التي تتّصف بأنّها : فاعلة ، نافذة ، ثاقبة ، مُخصّبة ، عدوانية ، عقلانية ، مُفكّرة ، صلبة ، ستكون معصوبة متجمّدة متخشّبة عاطفياً إنْ لم تنطوِ وتختلط بسمات من الأنوثة التي توصف عادةً بأنّها : مرِنة ، نَفُوذ ، خصيب ، لاعقلانية ، حدَسِيّة ، عاطفية ، حنون ، وديعة ، حفيّة . وعليه فإنّ من القوانين النفسيّة أن نقول إنّ كل شخصيّة إنسانية تنطوي على صفات مُذكّرة وعلى صفات مؤنّثة . ومن اليسير فهم ذلك : فالرجل المتوازن يتّصف بأنّه فاعل ومرِن ، عقلاني وحدسي ، صلب وحنون ، عدواني وحفيّ .. إلخ . كذلك فإنّ المرأة المتوازنة : حنون وفاعلة ، حدسيّة وعقلانية ، معاً … إلخ . ولكن من المهم الإشارة إلى قانون ثانٍ وهو أنّه عندما ينصبّ الحديث على الرجل ، فلا ينبغي الخلط بين “الصفات المؤنّثة” ، التي تتصف بأنّها سويّة ، وبين “التخنّث” الذي يتسم بأنه غير سويّ ، ويعني أنّ الرجل أصبح مؤنّثاً على حساب ذكورته ، والأمر ذاته فيما يتعلّق بالمرأة : لا تخلط بين الصفات المذكّرة (كالعقل على سبيل المثال) ، والذكورة (كالمرأة المُسترجلة من الوجهة النفسيّة) . وكخلاصة (كقانون ثالث) يمكننا القول إنّ لاشعور الرجل يحتوي على شخصيّة أنثوية ، ولاشعور المرأة يحتوي على شخصية ذكوريّة ، وبصورة أكثر تحديداً نقول :
(إن الرجل ذو صفات مذكّرة شعوريّة وذو صفات أنثويّة لاشعوريّة (الشخصيّة الأنثوية) ، وإنّ ما يحصل لدى الأنثى هو العكس ، وهو صحيح) (42) .
وحين خرج الراوي إلى الصحراء ، فإنّه ، في حقيقته النفسيّة ، لم يكن يبحث عن السكون للخلاص من ضجيج المدينة وصخبها ، المدينة التي يحنّ إليها الآن كجزء من “تناقضه” .. كان يبحث عن “تكامله” .. نعم “تكامله” ، لأنّ اختلال توازن مكوّنات شخصيّته هو العامل الأعظم في ارتباك مسار حياته ، وفي “تناقضه” الذي جعل حياته مُضنية وغير مستقرّة . ولهذا جاء المدَد من الأنموذج البدئي الأمومي القمري الذي قدّم له الظلّ الأنثوي الحفيّ الجميل اللطيف الصغير في صورة الغزالة . وكان بإمكان الراوي أن يقول – وهو يصف اقتراب الكائن الحيواني منه والذي صار يقترب منه منطلقاً من القمر أو من قدّامه – بالقول :
(وراح ذلك الحيوان يتّجه صوبي فاتضح لي (…) إنّها غزالة)
من دون تلك الاستطالة الوصفيّة التي تقدّم وصفاً تقليديّاً لجسد الغزالة :
(وراح ذلك الحيوان يتّجه صوبي فاتضح لي (رأسٌ جميل يعلوه قرنان صغيران ، وتتوسّطه عينان واسعتان ، ويتصل به جسمٌ ضامرٌ له سيقان رقيقة) إنّها غزالة)
وهذا أمرٌ متواتر في السرد ، وكأنّ الكاتب أو الراوي تجتاحه الدهشة الجارفة لأنّه يقابل ، ولأوّل مرّة ، ظلّه الأنثوي الذي لا يعرفه من قبل . هذا هو سرّ الانبهار العاصف الذي يجتاحنا حينما نرى امرأة – مهما كانت درجتها من الجمال ، وقد تكون دميمة – ونهتف بقوّة : هذه هي !! وفي كثير من الأحوال تقود العاشق إلى التهلكة مثل ما يحصل في سيّدة الحكايات : ألف ليلة وليلة . وقد ذكّرتْ مظاهر الغزالة الجميلة ، الراويَ ، بحبيبته ، فعيناها مثل عينيها الكحيلتين ، فيهما معاني المحبّة والاستعطاف ، ولها لفتة الجيد ذاتها (ص 286) . ولعلّ في الإشارة المباشرة إلى معاني الاستعطاف بما تعنيه من تضرّع لنيل العطف إيحاءً بميول تسلّطية (تعبير عن العدوانيّة) مستترة لدى الراوي ، تنفلت الآن بصورة مبرّرة تجاه ما يمثّل موضوع الحب : الغزالة ، التي صارت أمله الوحيد في إنقاذ حياته ريثما تصل نجدة ما أو تمرّ قافلة ، فهو يحتاج – كما يقول – دمها لإطفاء عطشه ، ولحمها لتسكين جوعه . يفتك الإنسان بأرقّ المخلوقات حتى التي تذكّره بأغلى أحبائه على روحه من أجل الخلاص ، وهو أمرٌ مشروع طالما اتفقنا عليه جمعيّاً . كان مستعدّاً لالتهام “ضبٍّ” لعين نفد عتاد بندقيته لاصطياده ولم يفلح (ص 287) . وأتذكّر حادثة شهيرة عن ركّاب الطائرة التي سقطت على جبال الأنديز وانقطع ركّابها عن الاتصال بالعالم لمدّة شهر تقريباً ، فبدأوا بأكل لحم زملائهم !
ويتعزّز اندفاع الراوي المُنهك في الإمساك بالغزالة المسكينة ، وذبحها ، بالرغم من أنّه ينظر إليها بانكسار واعتذار ، ويتقدّم نحوها باستحياء . كان يشعر بأنّها قد تكون مثله ، دفعها الجوع صوب خيمته ، لكن ما العمل ؟ على واحدٍ منهما أن يعيش ، وهو الإنسان كالعادة ، كما إن هذا ما تفرضه عمليّة “العبور” النفسيّة . ها هو يتحسّس خنجره ، الذي تبقّى له بعد انتهاء عتاد بندقيّته ، وقد عقد عزمه على القبض على الغزالة التي بدأت بالتراجع واستدراجه إلى قلب العراء . وهناك التقت نظراتهما من جديد ، فلاحظ احمراراً شديداً يكسوهما ، ويخفي تلك النظرة المُنكسرة الحنون . وبدلاً منها لاحت له نظرة قاسية مُريبة . ثم ارتعد فزعاً وهو يشاهد أنياباً حادّة يكشّر عنها الفكّان ، وسرعان ما صدر عواءٌ خافتٌ متقطّع يٌنذر بالشرّ . لقد بدأتْ الغزالة بالتحوّل جسداً وطباعاً إلى ذئب مفترس يحاول نهش وجه الراوي بمخالبه ، ويقطّعه إرباً بأنيابه الحادّة (ص 287) .
ويبدو أنّ المهمة النفسيّة اللازمة لتحقيق “العبور” نحو التكامل ، في الخروج من ظلمات اللاشعور إلى الشعور ، لا تتحقّق مُرتبطة بتعرّف الراوي على ظلّه الأنثوي حسب ، وهو لم يتعرّف عليه حتى الآن ، فقد قام بكبته بقوّة ، وبعمق هائل في أعماق لا شعوره ، وهنا علينا أن نتذكّر – وهذا قانون رابع خطير – إنّ كل ما هو غير مندمج في شخصيّة الإنسان يُحتمل أن يتم “إسقاطه” ، أو بالحري : إنّ كلّ ما “يطفو” في اللاشعور ، كلّ ما يجوس في اللاشعور ، يُحتمل أن يتم إسقاطه . فالشخص – وأنا أضرب الأمثلة لتبسيط هذا الموقف الشائك والمعقّد – الذي يكون النمط الأوّلي للإله (والأب) بصورة سويّة عادة في لاشعوره الجمعي ، ويعاني (بصورة غير سويّة) من ضروب الكبت الخاصّة بوالده الذي جرّده من رجولته وسحقه ، سيعاني من مشاعر الخوف والخضوع والعدوانية المرضيّة إزاء أبيه ، ولكنّه يعانيها إزاء الأب بصورة عامّة ، وبالتالي إزاء كل سلطان بما فيه سلطان الإله ، وقد يتمّ إسقاط النمط الأوّلي المشوّه على ديانة هذا الرجل فيتمثّل له الإله رمزيّاً في صورة موجود مُرعب شديد العقاب ، خبيث ، رهيب الخطر ، موجود لا بُدّ من تأمين نِعَمَه بالخضوع خضوعاً مطلقاً ، وبتقديم القرابين واحترام الأنظمة التي تسبّب له القلق الذي لا يُحتمل . ومن هنا منشأ التردّد ، والوساوس ، والهوس ، والخوف من الجحيم ، ورهاب الخطيئة ، ومواقف “الصبي الصغير” إزاء إله مرعب في سنّ الرشد . وعلى أيّ حال ، يتم إسقاط النمط الأوّلي للإله ، الذي ينبغي أن يولّد السلام والثقة الكلّيين إسقاطاً محفوفاً بالخوف (43) .
والراوي الذي كبت – وبقوّة وعمق – ظلّه الأنثوي ، صار يُسقطه إلى الخارج بعنف ، في صورة تمثّلات شديدة الخطورة ، لكنها فاتنة في الوقت نفسه كما يحصل الحال مع جنيّات البحر في الأوديسة مثلاً اللائي كنّ يستدرجن البحارة إلى المهالك بفعل سحر صوتهنّ . ولنتذكّر كثرة الحكايات الخرافية – خصوصاً في الألف ليلة وليلة – عن الفتاة الجميلة التي تقوم بإغواء الشاب / البطل ، وتستدرجه ، ويتبعها منسحراً بجمالها ، وحين تصل مكمنها تكشف عن وجهها القبيح وطباعها المُفترسة . وهناك الرموز الأنثويّة كالشجرة وغيرها التي إذا نظر إليها الشخص صار حجراً . والغزالة تمثل هذا الظلّ لدى الراوي بوجهه السلبي أيضاً ، لأنّ من معانيه أن يحتفظ الراوي الرجل بطباع “غزال” مرتعد في حياة اجتماعية تفرض توازناً صحيحاً وصحيّاً بين مكونات الشخصيّة كي يتوفّر لها الاقتدار في التعامل والتكيّف والإنجاز في أجواء المدينة الصاخبة الضاجّة ، ولعلّ هذا المكوّن الشديد النعومة والتأنّث هو السبب في الموقف الأوّلي ، الذي طُبِعَ بالروح الاستقبالية السلبيّة (الإنثوية) والتثبّت الطفلي المُعبّر عن التبعيّة في أحضان الأمومة ورمزها القمري . لكن بعد تجربة الإغواء والإستدراج إلى عمق العراء اللاشعوري المتصحّر ، ظهر الوجه الحقيقي للظل الإنثوي العصابي في صورته الذئبيّة المُفترسة التي أوشكت أن تفتك بالراوي وتقتله ، فاشتبك مع الذئب في صراع عنيف ؛ العنف الذي يسم تجارب “العبور” عادةً ، ضريبةً يدفعها الشخص الباحث عن ولادة جديدة ، وشخصيّة مُتجدّدة يسودها التوازن والاستقلال وبعيدة عن مرارات “التناقض” . وحين يستل الراوي خنجره ويغرزه في قلب الذئب ، فإنّ دم الأخير يندلق في فم الراوي الذي يشرب منه ، ويُطفىء – أخيراً – عطشه ، تعبيراً عن حاجته لـ “الجوهر” – والدم جوهر – الأنثوي الذي لا غنى عنه لانبعاث جديد :
(وألفيتني أُطلقُ صرخةً رعبٍ تمزّق سكون الليل ، يتراجع على إثرها الذئب قليلاً ، ليتأهّب للانقضاض عليّ في هجمة جديدة حاسمة . وفي غمرة اضطرابي ، امتدت أصابع يدي المرتجفة إلى خنجري ، فاستللته من غمده ، ثمّ أمسكتُه بكلتا يديّ ، وأسندته إلى صدري ، كأنّي أحتمي به . وفي تلك اللحظة ، انقضّ الذئبُ عليّ ، بقوّة هائلة ، فانغرز نصلُ الخنجر ، في موضع القلب من صدره . ووجدتني في حالة من الهيجان والصراخ ، وأنا أمدُّ الخنجر ، أكثر فأكثر في جسده ، لينبجس الدمُ الحارُّ منه ، فيغطّي وجهي كلّه ، ويندلق في فمي ، ويُطفىء ظمئي) (ص 287 و288) .
ولو كان مستودع اللاشعور الفردي صحّياً أو أنّه تمّ تنظيفه من رواسبه ومكبوتاته العصابية ، لأمكن لرموز اللاشعور الجمعي ونماذجه البدئية الصحّية أن تنبثق ، و”تُسقّط” ، وتتمظهر في هيئة بطل مقتدر جبّار معصوم يتصدّى لعمليّة الإنقاذ . ولكن ممر اللاشعور الفردي للراوي مختنق بمكبوتاته ولا يوفر فُسحة تنسرب منها مكنونات مستودع اللاشعور الجمعي ، ولهذا انبثق شبح الأب الفعلي الميّت أصلاً بعدّته الإنقاذية المُتهالكة .
ولأنّ الراوي قد نفض يديه الآن من إمكانية الخلاص على يدي الأنموذج البدئي المُرتبط بصورة الأب ، فقد اتّجه نحو أنموذج بدئي آخر على الطرف المعاكس من مُتصّل النماذج الأوّلية ، وهو القمر ، مانحاً إيّاه هويّة أنثوية خالصة بعد علاقة متضادّة تمهيديّة .

النص القصصي الذي تم تحليله :
الغزالة

ألفيتني، والقمرُ بدرٌ في ليلة تمامه، أُطيلُ النظرَ إليه من فُرجة الخيمة المنصوبة في العراء، فيبادلني النظرَ ويزداد توهُّجاً واقتراباً من الأرض حتّى يلامس نهاية الأفق بحافته الدائريّة. وجدتني، وسكونُ البادية يشحذ حواسِّي، أستجلي لونَه الفضيّ، أتملّى حُمرته الذهبيَّة، فتستدير حدقتا عيني مع استدارته. ينغرز فيه بصري، يغوص في أعماقه، ويندمج فيه. أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المتهادية نحوي، تغسل وجهي برفق، ويستحمُّفيها جسدي، وتنسكب في عينَيّ، وتتسرَّب منهما إلى أعماقي، فتنبثّ خيوطُ ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة. رأيتني مشدوهاً بسناه، مخدّراً بنوره، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافئ، فأشعر بسكِينةٍ تلفُّ أحاسيسي، واسترخاءٍ يهدهد بدني، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المتأرجح.

كنتُ أظنّ أوَّل الأمر أنَّني أحدّق في سطحٍ مستوٍ مشعٍ، غير أنّني أخذتُ أتبين رويداً رويداً تضاريسَ وظلالاً كالوشم في وجه القمر. ثمَّ تبدّى لي في وسط القمر أو قدّامه، كائنٌ حيوانيّ يتحرَّك قليلاً، ثمَّيكفّ عن الحركة. ولم أدرِ تماماً ما إذا كان ذلك الكائن يكمن في القمر نفسه أم إنّه يقف على الأرض في نهاية المسافة الممتدَّة بيني وبين القمر. وراح ذلك الحيوان يَتًّجه صوبي فاتّضح لي رأسٌ جميل يعلوه قرنان صغيران وتتوسطه عينان واسعتان، ويتّصل به جسمٌ ضامرٌ لهسيقان رقيقة. إنّها غزالة تتحرَّك نحوي ببطءٍ وتَرَدُّد، والقمر يؤطِّرها من خلف، حتّى صارتْ تغطّي معظمه. وأخذتْ تدنو منّي شيئاً فشيئاً، ثمَّ توقّفتْ إزاء خيمتي، وهي تنظر إليَّ فتلتقي عيوننا في صمت.

لم أَذُق طعاماً يُذْكَر طيلة ثلاثة أيامٍ في تلك الصحراء الشاسعة القَفْر الخالية من أيّ نبات أو حيوان أو أيّ شيء آخر ما عدا كثبانٍ رمليَّةٍ تنتشر فيها على مدى البصر مثل انتشار الأمواج العالية على سطح البحر. لقد نَفَدَ طعامي وأوشك مخزونُ الماء على النفاد، فلم أستهلك منه إلا قطراتٍ في فتراتٍ متباعدةٍ، تبلُّ شفتي ولا تكاد تبلغ ريقي. ولم تَعُدْ سيّارتي تساوي حبةَ رملٍ، بعد أن توقّفتْ عن الحركة لانعدام الوقود. ولم تكُن خيمتي المنصوبة في قلب الصحراء، كرايةِ حدادٍ منكّسة، قادرةً على حمايتي من لفح الشمس التي كانت تصهر كلَّ شيءٍ تحتها، وتحيله إلى رمل مسحوق. وهكذا انقضَّ عليّ القلقُ نسراً ينهش عصافير الأمل الفَزِعة في نفسي، وأخذ صِلُّ الخوف يدبُّ في أوصالي.

وهبّتْ في أعماقي ريحُ الحنين إلى المدينة وشوارعها ومقاهيها وحدائقها ونافوراتها. وعجبتُ لنفسي كيف تضجر بين الحين والآخر من صخب المدينة وزحمتها، وتتوق إلى صمت الصحراء وفضائها الغارق في السكون. هكذا كنتُ دوماً، حياتي كلُّها سلسلةٌ متصلةٌ من التناقضات. أَترعُ كأسَ الرغبة بالشوق، ثمَّ في لحظةٍ واحدةٍ أُهْرِقه على بساط الملل؛ أُحلِّق على جناح الأمل إلى قِمَم الفرح، ثمَّ سرعان ما أهوى متشظياً إلى سفوح البؤس؛ أُغنّي للوصل أحلى الأغاني، وفجأةً أقطعها لأنشج بكائيات الهجر والحرمان.

ودبّتِ الساعات بطيئةً ثقيلةً مثل سلحفاة خائفة منكمشة، وكَلّت عيناي من التحديق في الصحراء التي تحاصرني من جميع الاتجاهات، وتحيط بي كثبانها الرمليّة مثل قلاع منيعة يستحيل اختراقها. وتحت وطأة الجوع الذي كان يعضّني بضراوة، وبفعل العطش الذي كان يجففني مثل قطعةِ لحمٍ قديد، هامَ عقلي في سراب من الهواجس والرؤى. ورحتُ أجترُّ خوفي وأمضغ قلقي. ومن ربوةٍ رمليّةٍ صغيرةٍ تشبه الرمس، ارتفعَ شبحُ والدي بكفنه الأبيض، مُمتطياً صهوة جواده الأدهم، متقلِّداً بندقيته، كما لو كان في طريقه إلى الصيد. واستقرَّ على كتف أبي، بومٌ أسودَ بدلاً من صَقْره المدلَّل. وراح كلبُه السلوقي يعرج بإحدى قوائمه المبتورة، وهو يتلفّتُ إلى الجواد الذي فُقِئَتْ عيناه. وعندما اقترب أبي منّي أوقف جواده، وانحنى عليّ، ومدَّ يدَه إليَّ، ورفعني من الأرض وأردفني وراءه على الجواد كما كان يفعل في صغري، ثم عاد من حيث أتى وأخذ جواده يغوص في ذلك الرمس الرمليّ وأنا معه، فأشعر بذرات الرمل تندس في أنفي وتخنق أنفاسي.

نظرتُ إلى الغزالة الواقفة أمامي. عيناها الجميلتان تذكرانني بعينَيّ الحبيبة الكحيلتين؛ فيهما معاني المحبّة ورقّة الاستعطاف. ولها لفتة الجيد ذاتها كذلك. غير أنّ هذه الغزالةَ هي أملي الوحيد في الصمود بعض الوقت ريثما تصل نجدة ما أو تمرّ قافلة. رمقتُها بنظرة ولهى على استحياء. يا إلهي، كم أنا بحاجة لدمها يروّي ظمئي! وما ألذَّ لحمها! . التفتُ إلى البندقية الملقاة على أرض الخيمة، فتذكرت أنّها هي الأخرى لا تساوي حبة رمل، فقد أَمْسَت مجرد قطعة من خشب جامد وحديد بارد بعد أن نفدت ذخيرتي، بسبب محاولاتي المتكررة الفاشلة لإصابة ذلك الضَّبّ اللعين. كان يمرق أمامي كالبرق ثم يختفي في جحر من جحوره المتعددة في قَلْب الكثبان الرملية، فأظلُّ أُطلق النار بجنون على الرمل. وفي كلّ محاولة لم أحصل على شيء سوى دويّ هائل سرعان ما تشربه الرمال، وأبقى أردد بصوت عال متوتر عبارة “وضعي أعقد من ذَنَب الضبّ”.

حدجتُ الغزالة المنتصبة أمامي بنظرة متلهّفة. توهّمتُ أنّ قوّة خفيّة ساقتهاإليّ لإنقاذي. نظرتُ إليها ثانية نظرة انكسار واعتذار. تحسَّستُ خنجري المشدود على بطني الخاويّ. لا بدّ أن أُمسك بها أوّلاً. مددتُ يدي على مهل تجاه فَمِها، كما لو كنتُ أقدّم إليها شيئاً تأكله. لا بدّ أنّ الجوع هو الذي دفعها صوب خيمتي. أَدْنَتْ رأسها من يدي وهي تشمُّ كفِّي الفارغة. نهضتُ بحذر، فجفلتْ وتراجعتْ إلى الخلف بخفّة ثم توقفتْ. تقدَّمتُ صوبها ببطء. اقتربتُ منها مادّاً يدي نحوها. تراجعتْ مرّة أخرى وأنا أتبعها حتّى ابتعدنا عن الخيمة وصرنا في وسط العراء.

التقتْ نظراتنا مرّةً أُخرى. لم أرَ منها غير عينيْها هذه المرَّة. استرعى انتباهي احمرارٌ شديدٌ أخذ يكسوهما، ويُخفي تلك النظرة المنكسرة الحنون. وبدلاً منها لاحت لي نظرةٌ قاسيةٌ مريبة. انزلقت عيناي عن عينيْها إلى بقية وجهها، فأدهشني وأفزعني في آنٍ، منظرُ أنيابٍ حادَّةٍ يكشِّر عنها الفكان. وسرعان ما صدر عواءٌ خافتٌ متقطِّعٌ يُنذر بالشرِّ. وقبل أن أستجمع شتات فكري المشدوه، أَحْسستُ بمخالبَ حادةٍ تنغرز في صدري وبطني، وبأنيابٍ شرهةٍ تمتدُّ إلى وجهي. وفي طُوفان الرعب الذي اجتاحني بفعل المفاجأة، اختلطت الأمور في ذهني. غير أنَّ الشيء الوحيد الذي تأكَّد لي هو سقوطي على الأرض مستلقياَ على قفاي، وفوقي ذِئْبٌ شرسٌ على وشك أن ينهش وجهي، ويقطّعه إرباً بأنيابه الحادَّة. وألفيتني أُطلق صرخةٌ رعبٍ تمزِّق سكون الليل، يتراجع على إثرها الذئب قليلاً، ليتأهَّب للانقضاض عليّ في هجمةٍ جديدةٍ حاسمة.

وفي غمرة اضطرابي، امتدتْ أَصابعُ يدي المرتجفة إلى خنجري، فاستللتُه من غمده، ثمَّ أمسكتُه بكلتا يديّ، وأسندتُه إلى صدري، كأنّي أحتمي به. وفي تلك اللحظة، انقضَّ الذئبُ عليَّ، بقفزةٍ هائلةٍ، فانغرزَ نصلُ الخنجر، في موضع القلب من صدره. ووجدتني في حالةٍ من الهيجان والصراخ، وأنا أغمد الخنجرَ،أكثر فأكثر في جسده، لينبجس الدم الحارُّ منه، فيغطّي وجهي كلَّه، ويندلق في فمي، ويُطفئ ظمئي.
ـــــــــــ

شاهد أيضاً

طفلة مصابة بالسكر تزرق نفسها بالإنسولين

ما هو سرّ سرطان مرض السُّكري المستشري في العراق والعالم ؟ الدكتور: حسين سرمك حسن

منبر العراق الحر :إحذر المشروبات الغازية والعصائر المُحلّاة: وهذا ما يحصل في جسمك بعد أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *