الرئيسية / مقالات / الرسالة توحد الأرواح أكثر من القبل!!.. سمية تكجي
سمية تكمجي

الرسالة توحد الأرواح أكثر من القبل!!.. سمية تكجي

منبر العراق الحر :
الرسالة.. ومرسال الحنين إلى آخر بعيد مكانه, لكنه يسكن جغرافيا القلب. الحنين قديماً أشعل شوقه نارا, ليتصاعد الدخان ويراه ذاك الآخر, كان بنكهة البحر والسفن وأنفاس الأشرعة , ترسمه حينا ريشة، ويهمسه حينا آخر هديل حمام زاجل. أما الإنتظار، فكم كان جميلا لمن هو في شوق إلى تلقي رسالة , رسالة تطير بلا أجنحة وتحمل لك قلب أحدهم من مكان بعيد , قريبا , صديقا, أو حبيب.
أما الأجمل فهو عندما تمتلىء يداك بها تفتحها وكأنك تفتح هدايا العيد من أناس لا تحلو الأعياد من دونهم. أما حين تقرأها فالحديث له نكهة السحر , بإمكانك أن تحس بأنفاس من كتبها بين السطور. أن تشم عطره أو رائحة تبغه , كذلك ستتلمس مزاجه في الكلمات وتشعر أن هذه الأشياء تحتل كل حواسك . كم صدق “جون دونيه John Donne” حين قال: “أن الرسائل توحد الأرواح أكثر من القبل” فالرسالة تعري الروح. و من يكتبها هو أكثر صدقا وأقوى تعبيرا عن مكنوناته وعن عواطفه بصرف النظر عن أصله و عمره ومكانته الإجتماعية .
بين أن تقول الكلمة وبين أن تكتبها هنا يكمن السحر , فالكلام يذهب غبارا في الهواء أما عندما نكتب فإننا نسمع الكلمة عندما نقرأها ونراها بأعيننا ويراها الآخرون لتحفظ فيما بعد كوثيقة في ذاكرة الحبر , كلنا قرأ أو سمع عن رسائل متبادلة أرسلها العظماء الى زوجاتهم , عشيقاتهم , أنسبائهم, أو الى شخصيات أخرى ولقد لمسنا فيها الوجه الجميل الذي لا نعرفه و ربما الوجه المختلف الذي نجهله, لأن هذه الرسائل بقيت كإصبع يشير إليهم وقرينة لا يمكن تجاهلها أو نكرانها.
أين نحن الآن من الرسالة القديمة, أين نحن من الكتابة بحبر القلب, والتسونامي الإلكتروني قد اجتاح الكون بلا هوادة , والكل مدعو فيه ليواكب العصر تحت عنوان تسهيل التواصل والحصول على المعلومة , وتوفير الوقت والمال . والكل يركب الموجة لينجو بنفسه من شبهة التخلف وها هي المجموعات الإلكترونية بدل الجلسات الحقيقية والقراءة الإفتراضية بدل نعم الجليس في الأنام والرسائل بين الناس على مختلف علاقاتهم أصبحت إلكترونية.
وأنا اكتب هذا النص ، تخيلت هذا المشهد, احببت أن أسرده عليكم: رجل متوسط العمر يجلس قي حديقة عامة يحمل بعض الأوراق وإذ بمجموعة من الشبان يدخلون الحديقة , يقوم الرجل من مقعده ويتجه نحوهم ويطلب من أحدهم أن يعيره قلما , يعطيه الفتى القلم ولكن فضوله يحدو به الى السؤال: لماذا تريد القلم يا عم ؟ فيجيبه بهدوء لافت: أريد أن أكتب رسالة لإبني في الخارج . لم يلبث الرجل أن يلفظ هذه العبارات حتى علا الضحك والهرج والمرج بين الفتية وكأنهم قد مسهم الجن . و لكن الرجل بقي على هدوئه , ينظر اليهم قائلا: لا أعتب عليكم , فأنتم لم تتذوقوا متعة كتابة الرسالة على الورق , ولم تختبروا قط مقدار جمالها .
لقد استطلعت بعض الآراء: فيروز 40 سنة سيدة أعمال قالت أنها مع الرسائل القديمة لأنها تشعرها بالفرحة العارمة بعد الإنتظار والشوق, وتعكس صدق المشاعر ولكنها مع الجديدة في مجال العمل. أما إبنتها سبا 18 عاما لا تطيق ولا تعترف بالرسائل القديمة وحتى في حالة الحب وتعلل ذلك بالسهولة والسرعة و تقريب البعيد . رندة 56 سنة معلمة تستمتع بالرسالة القديمة ولم تزل تحتفظ بكل الرسائل , ولا تحب إطلاقا الرسائل الإلكترونية, لأنها رتيبة وخالية من الصدق. نسرين 35 مديرة مؤسسة ، تكلمت بحنبن جميل عن الرسائل القديمة, عن الشوق والإنتظار, وعن المقاجآت التي تخبئها. أما رأي الطب النفسي من طبيب صديق: ” انا مثل باقي الناس في دائرة سلطة هذه الرسائل, في العمل ولكن في العلاقات الإجتماعية والأسرية أحاول أن أخففها الى الحد الأدنى , برأيه هي تسبب الإدمان والتقوقع والإنعزال .
ونستنتج من هذه الآراء أن الرسالة القديمة ما زالت لها سطوتها وخصوصيتها بين الإعمار المتوسطة. ولكنها سطوة من نوع النوستالجيا الى زمن نعود إليه لنعيش ذكرياته مرة تلو مرة ,فلن يعود ساعي البريد مرة أخرى و يرد لنا بعضا من أرواحنا في مغلفات تجيب قلوبنا على كل أسئلتها وكل شكوكها, و ستبقى رسائلنا في الإدراج لنفتحها مرات و مرات لندرك كيف بإمكان كلمات قليلة أن تعيد الحياة للحظات مضت… لنمرر أصابعنا على الورق وكاننا نلثم حبيبا بعد طول غياب.

شاهد أيضاً

عامر طلال

بالتآزر مع الحشد.. الجيش يعزز ولاءً وطنياً مطلقاً ..عمار طلال *

منبر العراق الحر :(1) خروج العراق، من البند السابع، وفق توصيف الامم المتحدة، يعني بأبسط …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *